اجتياحات متكررة… تاريخ المواجهة المفتوحة بين إسرائيل ولبنان
من الليطاني إلى اليوم… ست محطات ترسم مسار الصراع
يتجدد الحديث عن احتمال تصعيد عسكري واسع في لبنان، مع توسّع العمليات الإسرائيلية جواً وبراً ضد حزب الله، وسط مخاوف من أن تكون هذه التحركات تمهيداً لاجتياح جديد يعيد إلى الأذهان عقوداً من المواجهات المتكررة بين الطرفين.
فهذا الصراع لم يبدأ اليوم، بل يمتد عبر سلسلة طويلة من العمليات العسكرية التي شكّلت محطات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، ورسّخت نمطاً متكرراً من التصعيد والتهدئة دون حسم نهائي.
تصعيد ميداني ومخاوف من اجتياح
تأتي التطورات الأخيرة في ظل تكثيف الضربات الإسرائيلية التي طالت بنى تحتية حيوية، من بينها جسور رئيسية في جنوب لبنان، تقول إسرائيل إن حزب الله يستخدمها لنقل التعزيزات.
لكن في المقابل، يرى مراقبون أن استهداف هذه المنشآت قد يهدف إلى عزل الجنوب عن باقي البلاد، ما قد يمهّد لعملية برية أوسع. ومع تزايد أعداد النازحين، تتصاعد المخاوف من سيناريو يتكرر فيه نموذج الحروب السابقة.
1978… عملية الليطاني
شكّلت عملية الليطاني أول اجتياح إسرائيلي واسع للبنان، حيث تقدمت القوات الإسرائيلية حتى نهر الليطاني بهدف إبعاد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية عن الحدود.
ورغم الانسحاب لاحقاً، تركت العملية تداعيات كبيرة، أبرزها نشر قوات “يونيفيل” الدولية، وبداية مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في الجنوب.
1982… وصول إلى بيروت
في واحدة من أكبر العمليات العسكرية، اجتاحت إسرائيل لبنان وصولاً إلى العاصمة بيروت، بعد حملة واسعة استهدفت إخراج منظمة التحرير الفلسطينية.
هذه الحرب لم تقتصر على المواجهة العسكرية، بل شهدت تحولات سياسية وأمنية عميقة، وأسفرت عن آلاف الضحايا، كما مهّدت لظهور حزب الله كقوة رئيسية مدعومة من إيران.
التسعينيات… ضربات محدودة وتصعيد متكرر
خلال التسعينيات، نفذت إسرائيل عمليتين بارزتين: “تصفية الحساب” عام 1993 و”عناقيد الغضب” عام 1996، استهدفتا مواقع حزب الله في الجنوب.
ورغم محدودية هذه العمليات زمنياً، فإنها تسببت بنزوح واسع وخسائر مدنية كبيرة، وأظهرت نمطاً قائماً على الضربات المكثفة دون الدخول في احتلال طويل الأمد.
2006… حرب الـ34 يوماً
اندلعت حرب لبنان الثانية بعد أسر حزب الله جنديين إسرائيليين، وشهدت مواجهة واسعة استمرت أكثر من شهر، شملت ضربات جوية وبرية وبحرية.
ورغم الدمار الكبير والخسائر البشرية، انتهت الحرب دون حسم واضح، مع بقاء حزب الله لاعباً أساسياً في المعادلة.
ما بعد 2023… جبهة مفتوحة
منذ اندلاع حرب غزة، تحولت الجبهة اللبنانية إلى ساحة اشتباك يومي، مع تبادل القصف بين الطرفين، قبل أن تتصاعد المواجهة بشكل أكبر لاحقاً.
وشهدت هذه المرحلة تطورات نوعية، من بينها عمليات أمنية معقدة وضربات استهدفت قيادات بارزة، إضافة إلى اتفاق هدنة لم يصمد بالكامل، مع استمرار الخروقات المتبادلة.
نمط يتكرر
ما تكشفه هذه المحطات هو نمط ثابت في الصراع:
تصعيد عسكري واسع، يليه تدخل دولي، ثم هدنة مؤقتة دون معالجة جذور الأزمة.
وفي كل مرة، تعود المواجهة بشكل مختلف، لكنها تحمل في جوهرها نفس المعادلة: توازن هش، وردع غير مكتمل، واحتمال دائم لانفجار جديد.
إلى أين يتجه المشهد؟
في ظل التصعيد الحالي، يبدو أن المنطقة تقف مجدداً أمام مفترق طرق. فإما أن تنزلق نحو مواجهة أوسع تعيد رسم قواعد الاشتباك، أو أن تتكرر دورة التهدئة المؤقتة التي طبعت تاريخ هذا الصراع.
لكن المؤكد أن لبنان سيبقى، كما كان لعقود، ساحة أساسية في معادلة إقليمية أكبر، تتجاوز حدوده الجغرافية بكثير.



