مصير داعش بين فوضى السوريين وصراع المشاريع
تنظيم يستعيد أنفاسه في ظل الانقسام والفراغ الأمني
في لحظة تبدو فيها سوريا غارقة في صراعات داخلية متشابكة، يعود تنظيم داعش ليطرح سؤالاً خطيراً: هل يستغل التنظيم انشغال خصومه ليملأ الفراغ من جديد؟
الهجوم الذي نفذه مسلح من داعش في تدمر منتصف ديسمبر 2025، وأسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم، لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل مؤشر صريح على أن التنظيم ما زال قادراً على الضرب في عمق مناطق يُفترض أنها محصنة، وفي توقيت بالغ الحساسية.
ما جرى في تدمر أعاد تسليط الضوء على تصاعد نشاط داعش في البادية السورية ومناطق الشمال الشرقي، من الحسكة والرقة إلى دير الزور ومنبج، حيث تتقاطع خطوط النفوذ وتتداخل المشاريع السياسية والعسكرية.
عودة داعش إلى الواجهة الأمنية
رغم سنوات من الضربات العسكرية، لم يختفِ داعش من المشهد السوري. بل أعاد التموضع، مستفيداً من المساحات المفتوحة وضعف السيطرة المركزية.
الحكومة السورية نفسها أقرت بنقل معلومات أولية إلى قوات التحالف حول احتمالات هجمات جديدة، في اعتراف ضمني بأن الخطر لم يعد محصوراً في خلايا نائمة أو جيوب معزولة، بل بات تهديداً نشطاً وقابلاً للتوسع.
القلق الأكبر يتركز في الشمال والشرق، حيث تختلط خطوط التماس بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، وتبقى البادية مسرحاً مثالياً لتحركات التنظيم.
اتفاق 10 مارس… عقدة لم تُفك
بعد عام على سقوط نظام الأسد، وصلت العلاقة بين حكومة أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية إلى ذروة التوتر.
اتفاق 10 مارس، الذي وُقّع على أمل دمج “قسد” في مؤسسات الدولة، لم يُنفّذ، رغم اقتراب نهاية المهلة المحددة له. الخلافات الجوهرية حول طبيعة الاندماج تحولت من ملف سياسي إلى عامل زعزعة ميداني.
دمشق تصر على تفكيك البنية العسكرية لقسد ودمج عناصرها كأفراد، بينما تتمسك قسد بالبقاء كقوة موحدة مع الحفاظ على الإدارة الذاتية. وبين هذين الموقفين، تتسع الفجوة… ويتسلل داعش.
الاشتباكات الأخيرة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب جاءت ترجمة مباشرة لفشل التفاهم، ورسالة بأن الانقسام لم يعد محصوراً في غرف التفاوض.
السجون… القنبلة المؤجلة
بعيداً عن خطوط الاشتباك المباشر، تكمن أخطر نقاط الضعف في ملف سجون ومخيمات داعش.
سجن غويران في الحسكة، الذي يضم آلافاً من مقاتلي التنظيم، يبقى أكبر معتقل لعناصر داعش في العالم. تجربة اقتحامه عام 2022 لا تزال حاضرة في الذاكرة الأمنية، وسط مخاوف من تكرار السيناريو في ظل الفوضى الحالية.
إلى جانب السجون، يبرز مخيم الهول، حيث يعيش عشرات الآلاف، معظمهم من النساء والأطفال، في بيئة مشبعة بأفكار التطرف، ما يفتح الباب أمام إنتاج أجيال جديدة من العنف المؤجل.
من “الخلافة” إلى حرب البقاء
داعش في 2025 ليس تنظيم السيطرة وإدارة المدن. تحوّل إلى شبكة مرنة من خلايا صغيرة، تعتمد الكمائن والهجمات السريعة والاستنزاف الطويل.
استراتيجيته اليوم تقوم على إضعاف خصومه، وضرب صورة “الدولة المسيطرة”، واستغلال المناطق الانتقالية والفراغات الأمنية، لا سيما في وسط وشرق سوريا.
هذا التحول يجعل التنظيم أقل ظهوراً، لكنه أكثر خطورة، لأنه يعمل في الظل ويضرب حيث لا يُتوقَّع.
تركيا… عامل ضغط إضافي
يزيد الموقف التركي المشهد تعقيداً. أنقرة تصطف بوضوح إلى جانب دمشق، وتواصل تصنيف قوات سوريا الديمقراطية تنظيماً إرهابياً.
التلويح بعمل عسكري تركي ضد قسد يضع الأخيرة أمام خيارات صعبة، ويخلق في الوقت نفسه فرصة ذهبية لداعش، الذي يستفيد تاريخياً من الصدام بين خصومه.
أي مواجهة واسعة شمالاً تعني عملياً مساحات أوسع للفوضى… ومسارح أسهل لنشاط التنظيم.
الرهان الأميركي وحدوده
الولايات المتحدة ردت سريعاً على هجوم تدمر، وأطلقت عملية “عين الصقر”، مستهدفة عشرات المواقع التابعة لداعش في وسط سوريا، بدعم جوي أميركي وأردني.
دمشق أبدت تأييدها للعملية، في محاولة لتقديم نفسها شريكاً موثوقاً في مكافحة الإرهاب، لكن هذا المسعى يصطدم بحقيقة أن واشنطن اعتمدت لسنوات على قسد كحليف ميداني أساسي ضد داعش.
التوتر بين دمشق وقسد، مع ضغط أنقرة، يضعف هذا التحالف عملياً، ويمنح التنظيم هامشاً للمناورة والبقاء.
داعش… المستفيد الأكبر
في نهاية 2025، لا يبدو داعش الأقوى عسكرياً، لكنه بلا شك الأكثر استفادة سياسياً وأمنياً.
انقسام سوري داخلي، صراع مشاريع متناقضة، تفاهمات معلقة، وضغوط إقليمية متشابكة… كلها عناصر تصنع البيئة المثالية لعودة التنظيم، لا عبر السيطرة، بل عبر الاستنزاف والكمائن وإعادة التموضع.
وبينما ينشغل السوريون بخلافاتهم، يتحرك داعش بهدوء… منتظراً اللحظة المناسبة.



