من يتفاوض باسم طهران؟ اغتيالات القادة تربك هرم السلطة في إيران
بين الفراغ القيادي وصعود البدائل… هل تغيّر الحرب شكل القرار الإيراني؟
تطرح موجة الاغتيالات التي طالت كبار القادة في إيران سؤالاً مركزياً: من يملك اليوم القرار داخل النظام؟ ومع تصاعد الحديث عن مفاوضات محتملة، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، في ظل غياب شخصيات كانت تشكل عمود التوازن في بنية السلطة.
ضربة في قلب القيادة
لم تكن الضربات التي استهدفت شخصيات بارزة مجرد عمليات عسكرية، بل طالت مستويات حساسة في هرم الحكم، شملت قادة عسكريين وأمنيين ومسؤولين سياسيين.
وفي مقدمتهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، الذي شكّل لعقود مركز الثقل في النظام، جامعاً بين السلطة الدينية والسياسية والعسكرية. ومع غيابه، فقدت طهران الشخصية التي كانت تدير التوازن بين مراكز القوى المختلفة.
خليفة غامض… وقيادة غير مكتملة
تولى مجتبى خامنئي موقع القيادة، لكن حضوره بقي محدوداً وغامضاً، مع غياب شبه كامل عن المشهد العلني، واعتماد بيانات مكتوبة بدلاً من الخطابات المباشرة.
هذا الغياب يعكس، وفق مراقبين، إما اعتبارات أمنية أو صعوبة في تثبيت السلطة في مرحلة انتقالية حساسة، خصوصاً في ظل الحرب.
خسارة صناع القرار
إلى جانب خامنئي، فقدت إيران عدداً من أبرز صناع القرار، من بينهم علي لاريجاني، الذي لعب دوراً محورياً في الملفات الأمنية والنووية، وكذلك علي شمخاني، أحد أبرز مهندسي السياسات الدفاعية.
كما طالت الضربات قادة عسكريين بارزين في الحرس الثوري، ما أدى إلى إضعاف الحلقة التي كانت تدير العمليات والتنسيق بين المؤسسات.
هذه الخسائر لا تعني فقط غياب أفراد، بل فقدان خبرات وشبكات علاقات كانت ضرورية لاتخاذ القرار في أوقات الأزمات.
من يدير المشهد الآن؟
في ظل هذا الفراغ، برزت شخصيات لا تزال على قيد الحياة، مثل الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، اللذين يلعبان دوراً متزايداً في إدارة المرحلة.
لكن اللافت هو صعود الدور العسكري والأمني، حيث يبدو أن الحرس الثوري يعزز موقعه كمركز فعلي للسلطة، خاصة مع تراجع دور المؤسسات المدنية.
كما يستمر حضور شخصيات أمنية مثل قائد الشرطة أحمد رضا رادان، الذي يقود نهجاً متشدداً في التعامل مع الداخل، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من اضطرابات داخلية.
مفاوضات بلا عنوان واضح
في هذا السياق، يصبح السؤال عن المفاوضات أكثر تعقيداً: من يمثل إيران فعلياً على طاولة التفاوض؟
فمع غياب القيادة التقليدية، وتعدد مراكز القرار، قد تجد واشنطن نفسها أمام نظام أقل وضوحاً، وأكثر تداخلاً بين السياسي والعسكري.
ورغم الحديث عن اتصالات أولية، تؤكد طهران أنها لم تدخل في مفاوضات، وتصر على مواصلة الحرب، ما يعكس غياب توافق داخلي على مسار التسوية.
استراتيجية الإرباك
تشير التقديرات إلى أن استهداف القادة كان يهدف إلى إرباك النظام وإضعاف تماسكه، وربما دفعه نحو الانهيار أو التفاوض من موقع ضعف.
لكن في المقابل، يبدو أن النظام يحاول إعادة إنتاج نفسه، مستفيداً من خطاب “الشهادة” الذي يمنح هذه الخسائر بعداً رمزياً يعزز الاستمرار بدل الانهيار.
بين الصمود والتفكك
حتى الآن، لم يظهر أن الضربات أدت إلى انهيار مباشر، لكنها خلقت حالة من عدم اليقين داخل بنية الحكم.
فالنظام لا يزال قائماً، لكنه يواجه تحدياً مزدوجاً:
إدارة الحرب من جهة، وإعادة ترتيب القيادة من جهة أخرى.
الخلاصة
تكشف التطورات الأخيرة أن إيران دخلت مرحلة جديدة، حيث لم يعد السؤال فقط عن نتائج الحرب، بل عن شكل النظام نفسه بعد هذه الضربات.
وفي ظل غموض القيادة وتعدد مراكز القرار، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات عدة:
إما إعادة تماسك تحت قيادة جديدة… أو تصدّع تدريجي في بنية الحكم.
وفي الحالتين، فإن أي مفاوضات مقبلة لن تكون مجرد اتفاق سياسي، بل اختبار حقيقي لمن يملك القرار في طهران.



