تعثّر محادثات مسقط… هدنة دبلوماسية هشة في ظل اقتراب حافة المواجهة
هدنة دبلوماسية على حافة الانهيار بين ضغط السلاح وحسابات الإقليم
لم تنجح محادثات مسقط بين الولايات المتحدة وإيران في تحقيق اختراق فعلي، لكنها وفّرت، ولو مؤقتاً، مساحة ضيقة لالتقاط الأنفاس وسط تصاعد التوتر. فقد انتهت الجولة الأخيرة من دون اتفاق، بصيغة محسوبة تقول إن المفاوضات «توقفت في الوقت الراهن»، وهي عبارة اختيرت بعناية لتعكس بقاء قناة التواصل مفتوحة، رغم اقتراب الطرفين من عتبة التصعيد.
مسؤول أميركي معني بملفات الشرق الأدنى قال لشبكة MBN إن أياً من الجانبين لم يكن مستعداً للتراجع. ولفت إلى أن الهدف الأساسي لم يكن التوصل إلى صفقة، بل كبح الاندفاع نحو المواجهة المباشرة. وأضاف أن الضغوط كانت حقيقية للحفاظ على خط الاتصال، حتى في ظل غياب أوهام حول اتفاق قريب.
وتحمل هذه المحادثات دلالة خاصة، كونها أول اتصال رسمي منذ الضربات الأميركية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في صيف العام الماضي. دخلت طهران المفاوضات متمسكة بحصر النقاش في الملف النووي، مع إبداء مرونة محدودة تتعلق بمستويات التخصيب وحجم المخزون، مقابل تخفيف العقوبات. في المقابل، دفعت واشنطن باتجاه مقاربة أوسع، تربط الملف النووي ببرنامج الصواريخ الإيرانية، ودور طهران الإقليمي، وسلوكها خارج الإطار النووي.
هذا التباين البنيوي جعل حسم الخلاف في مسقط أمراً مستحيلاً. ومع ذلك، سارعت أطراف إقليمية، ولا سيما دول خليجية، إلى التدخل لمنع انهيار المسار بالكامل. دبلوماسي خليجي رفيع أشار إلى أن رسائل واضحة نُقلت إلى البيت الأبيض مفادها أن إغلاق قناة الحوار يعني الانتقال مباشرة إلى الخيار العسكري، مع كلفة إقليمية باهظة لن تقتصر على طرف واحد.
وأرسل الطرفان إشارات توحي بأن التوقف قد لا يطول. فقد لمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى احتمال عقد جولة جديدة «في مطلع الأسبوع»، فيما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن التوقيت سيُبحث عبر مشاورات مع سلطنة عُمان. ومن المتوقع أن يتوجه علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، إلى مسقط، في مؤشر على أن الملف بات يخضع لإشراف مباشر من أعلى المستويات في طهران.
في المقابل، لم تُخفِ إسرائيل تشككها في جدوى المسار الدبلوماسي. ومن المقرر أن يصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في زيارة سريعة تهدف إلى التأثير على مسار المفاوضات قبل تبلور أي تفاهم. وتخشى تل أبيب من أن يكتفي ترامب باتفاق نووي محدود يُسوّق داخلياً كإنجاز، فيما تبقى ملفات الصواريخ والوكلاء الإقليميين خارج أي معالجة.
داخل الإدارة الأميركية نفسها، لا يزال الانقسام قائماً. ففريق من المفاوضين المقرّبين من ستيف ويتكوف يبدو أكثر استعداداً لقبول صفقة جزئية، بينما يدفع وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث نحو شروط قصوى. أما ترامب، فيواصل إرسال إشارات متناقضة، تجمع بين الإشادة بالحوار والتصعيد العسكري وفرض إجراءات اقتصادية جديدة.
في طهران، تحرص القيادة على إظهار تماسك داخلي. فقد عقد البرلمان جلسة مغلقة حضرها وزير الخارجية وقائد القوات المسلحة، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية والردع يسيران بالتوازي. ورغم ذلك، تبقى «الخطوط الحمراء» الإيرانية ثابتة: لا لتصفير التخصيب، لا لمفاوضات حول الصواريخ، ولا نقاش بشأن شبكة الحلفاء الإقليميين.
في هذه المرحلة، لا تبدو الدبلوماسية ميتة، لكنها تعيش على هامش ضيق. وكما قال أحد الدبلوماسيين الخليجيين: «ما يجري ليس اختراقاً، بل حالة ترقّب». ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول هذه الوقفة المؤقتة إلى جولة جديدة من المحادثات، أم أنها مجرد تأجيل قصير قبل العودة إلى منطق القوة؟



