اتفاق دمشق و”قسد” من الداخل
قيادية كردية: جنّبنا حرباً أهلية وحافظنا على خصوصية المناطق الكردية
مع بدء دخول قوات الأمن الداخلي السورية إلى الحسكة والقامشلي، آخر المراكز الرئيسية التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، دخل الاتفاق الموقع بين دمشق و”قسد” حيز التنفيذ الفعلي، فاتحاً مرحلة جديدة في العلاقة بين الطرفين بعد أسابيع من التوتر والمواجهات العسكرية.
الاتفاق، الذي أُبرم نهاية الأسبوع الماضي، جاء تتويجاً لمسار تفاوضي شاق أعقب مواجهات امتدت قرابة ثلاثة أسابيع، بدأت في ريف حلب قبل أن تتوسع رقعتها، وسط خطاب إعلامي متشنج ومخاوف متزايدة من انزلاق البلاد إلى اقتتال كردي-عربي واسع.
في هذا السياق، تؤكد القيادية الكردية فوزة يوسف، التي شاركت في رئاسة الوفد التفاوضي الذي شكّله قائد “قسد” مظلوم عبدي، أن الاتفاق لم يكن مثالياً من حيث تحقيق كامل تطلعات الأكراد، لكنه أدّى دوراً حاسماً في منع سيناريو بالغ الخطورة.
تقول يوسف في حديثها لـ”العربية/الحدث.نت” إن “أهمية الاتفاق لا تكمن في كونه يلبي كل ما نطمح إليه، بل في كونه أوقف مساراً كان يقود إلى حرب أهلية حقيقية، في ظل تصاعد خطاب الكراهية والدعوات إلى الصدام، سواء على الأرض أو في الإعلام”.
وقف النار… والخصوصية الكردية
وترى القيادية الكردية أن وقف إطلاق النار يشكل الركيزة الأساسية للاتفاق، إلى جانب الحفاظ على خصوصية المناطق الكردية من الناحيتين الأمنية والإدارية، معتبرة أن هذه النقاط تمثل مكاسب واقعية في مرحلة شديدة الحساسية.
وتشير يوسف إلى أن نجاح الاتفاق لا يرتبط فقط ببنوده المكتوبة، بل بإرادة سياسية مشتركة لدى الطرفين، مؤكدة أن “التعامل بمسؤولية من قبل دمشق ومن قبل القوى الكردية هو الضامن الحقيقي لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه”.
وفي هذا الإطار، كشفت عن وجود دول راعية ومتابعة للاتفاق، في مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، اللتان أبدتا استعداداً للتعاون ومواكبة مرحلة التنفيذ، في مؤشر على اهتمام دولي بمنع انهيار التفاهم الجديد.
إدارة محلية بصلاحيات واسعة
وبحسب يوسف، فإن شكل الإدارة في المناطق الكردية بعد الاتفاق سيتقاطع مع نموذج الإدارة في بقية المحافظات السورية، لكن مع اختلافات جوهرية في التفاصيل، تعكس خصوصية المنطقة وتركيبتها السياسية والاجتماعية.
وتوضح أن “قسد” اقترحت اسم محافظ الحسكة ونائب وزير الدفاع، في خطوة لم تُعتمد في محافظات أخرى، كما تم الاتفاق على بقاء قوات “الأسايش” والألوية العسكرية الأربعة، بهدف حماية المنطقة داخلياً وخارجياً ضمن الإطار الجديد.
كما أكدت أن مؤسسات الإدارة الذاتية لن تُلغى، بل سيتم دمجها تدريجياً مع الوزارات الموازية في الدولة السورية، ما يفضي عملياً إلى صيغة “إدارة محلية” تتمتع بصلاحيات واسعة، وتشرف عليها لجان مشتركة من دمشق و”قسد” لمتابعة التنفيذ ومعالجة أي عوائق محتملة.
مرحلة جديدة… واختبار صعب
يأتي هذا الاتفاق بعد مرسوم رئاسي أصدره الرئيس أحمد الشرع، تضمن الاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية للأكراد، وإعادة الجنسية للمجردين منها منذ إحصاء عام 1962، وهو ما أضفى بعداً سياسياً وقانونياً إضافياً على التفاهم الجديد.
ورغم الترحيب العربي والدولي الواسع بالاتفاق، يبقى التحدي الأكبر في قدرة الطرفين على تحويله من تفاهم أمني مؤقت إلى مسار مستدام يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة السورية والمناطق الكردية، ويجنب البلاد جولات جديدة من العنف.
وبين واقعية التنازلات وصعوبة المرحلة، يبدو أن الاتفاق – وفق قراءة القيادات الكردية – لم يكن انتصاراً لطرف على حساب آخر، بل محاولة لقطع الطريق على سيناريو دموي كان يمكن أن يفتح فصلاً جديداً من الصراع الأهلي في سوريا.



