إيران ومحور المقاومة - من التمدد إلى الانكفاء
بين تراجع النفوذ وإعادة رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط
منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، دخلت المنطقة مرحلة إعادة تشكيل عميقة، عنوانها الأبرز تراجع نفوذ إيران الإقليمي وتفكك ما عُرف بـ”محور المقاومة”. فالمواجهة التي اندلعت بين إسرائيل وخصومها لم تبقَ محصورة في غزة، بل تحولت إلى صراع واسع أعاد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
من مسار مدريد إلى صعود المحور
شهدت تسعينيات القرن الماضي محاولة جدية لإطلاق تسوية شاملة عبر مسار مدريد ثم اتفاق أوسلو عام 1993. حينها بدا أن المنطقة تتجه نحو صيغة “الأرض مقابل السلام”، مع انخراط عربي رسمي في مسار تفاوضي مع إسرائيل. غير أن هذا المسار اصطدم بعقبات متعددة - من انعدام الثقة المتبادل، إلى استمرار الاستيطان، وسوء إدارة السلطة الفلسطينية.
لكن العامل الأكثر تأثيراً تمثل في تحرك إيران لتقويض هذا المسار عبر بناء شبكة إقليمية مسلحة. دعمت طهران تشكيل أذرع عسكرية لحركات فلسطينية، وساهمت في ترسيخ دور حزب الله كركيزة أساسية في هذه الاستراتيجية. ومع تصاعد العمليات المسلحة في التسعينيات، تعزز نفوذ التيار اليميني في إسرائيل، ما أضعف فرص التسوية السياسية.
ست جبهات... واستراتيجية المواجهة
بعد “طوفان الأقصى”، وسّعت إسرائيل نطاق المواجهة لتشمل ما اعتبرته شبكة إيرانية ممتدة عبر عدة ساحات - من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق واليمن. ومع الوقت، تحولت المواجهة إلى معركة متعددة الجبهات استهدفت إضعاف أذرع إيران واحدة تلو الأخرى.
التحول الأبرز كان في الساحة السورية. فمع تصاعد الضغط العسكري على حزب الله، تراجع حضوره في سوريا، ما أدى إلى اختلال التوازن هناك وسقوط نظام بشار الأسد، الحليف الأوثق لطهران. بخروج دمشق من المعادلة، فقدت إيران الممر الجغرافي الحيوي الذي كان يربطها بلبنان، ما شكّل ضربة استراتيجية قاسية لمحورها الإقليمي.
المواجهة المباشرة مع طهران
مع تفكك الأطراف المحيطة، باتت المواجهة المباشرة مع إيران مسألة وقت. غير أن التنسيق مع واشنطن كان ضرورياً، في ظل تباين الرؤى بين الطرفين. فضّلت الولايات المتحدة مسار الضغط السياسي والاقتصادي، بينما مالت إسرائيل إلى خيار الحسم العسكري.
تطور المشهد سريعاً نحو حملة جوية مشتركة واسعة النطاق استهدفت مراكز القيادة الإيرانية. وبينما سعت إسرائيل إلى إضعاف النظام جذرياً، بدا أن إدارة دونالد ترامب تميل إلى تعديل سلوك طهران بدلاً من إسقاطها بالكامل، على أمل إنتاج قيادة أكثر براغماتية تنأى بالبلاد عن مشاريع التوسع الإقليمي.
محور يتفكك... وإيران أمام مفترق طرق
الخسارة السورية، تراجع قدرة حزب الله، وتآكل شبكة الإمداد الإقليمية، كلها عوامل تشير إلى انحسار واضح لنفوذ إيران مقارنة بالسنوات الأربعين الماضية. غير أن ذلك لا يعني نهاية دورها بالكامل، بل ربما انتقالها إلى مرحلة مختلفة - أكثر انكفاءً وأقل طموحاً خارج حدودها.
السيناريوهات مفتوحة:
إما جمهورية إسلامية مُعدّلة السلوك ومنشغلة بأزماتها الداخلية.
أو مرحلة اضطراب طويلة تعيد خلط أوراق المنطقة مجدداً.
في كل الأحوال، يبدو أن الشرق الأوسط دخل فصلاً جديداً، حيث لم يعد “محور المقاومة” بالتماسك الذي عرفه، ولم تعد إيران اللاعب الذي يتحرك من موقع المبادرة كما كان لعقود.



