كيف تقرأ إسرائيل اعتقال مادورو؟
تل أبيب ترى في الخطوة الأميركية ضربة لنفوذ إيران خارج الشرق الأوسط
يعكس الموقف الإسرائيلي من اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، على يد قوات أميركية، قراءة تتجاوز الحدث بحدّ ذاته، لتضعه في إطار صراع أوسع مع إيران وحلفائها، وخصوصاً في الساحات البعيدة جغرافيًا عن الشرق الأوسط.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف العملية الأميركية بأنها خطوة تهدف إلى “إعادة الحرية والعدالة” ليس فقط داخل فنزويلا، بل في هذا الجزء من العالم أيضاً، في إشارة واضحة إلى أميركا اللاتينية. وبحسب نتنياهو، فإن ما جرى يعكس تحوّلاً أوسع في القارة، مع عودة عدد من دولها إلى ما سمّاه “المحور الأميركي”، وهو مسار قال إنه ينعكس أيضاً في تحسّن العلاقات مع إسرائيل.
في السياق نفسه، أعاد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر نشر خطاب سابق له ألقاه في برلمان باراغواي، حذّر فيه من تآكل الشرعية الديمقراطية في عدد من دول أميركا اللاتينية، وتحولها، وفق تعبيره، إلى منصات نفوذ لقوى معادية للغرب، وفي مقدمتها إيران.
فنزويلا كبوابة إيرانية
تنظر الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل إلى اعتقال مادورو باعتباره ضربة مباشرة لإحدى أهم ركائز النفوذ الإيراني خارج الشرق الأوسط. ففنزويلا، وفق هذه القراءة، لم تكن مجرد حليف سياسي لطهران، بل شكّلت منصة استراتيجية أتاحت لإيران وحزب الله العمل في فضاء جغرافي بعيد عن ساحات المواجهة التقليدية، وقريب في الوقت نفسه من الولايات المتحدة.
على مدى سنوات، اعتبرت إسرائيل أن كاراكاس تمثل مركز ثقل في الاستراتيجية الإيرانية بأميركا اللاتينية. فالنظام الذي أسسه هوغو تشافيز، واستمر في عهده مادورو، لم يكتفِ بقطع العلاقات مع إسرائيل عام 2009، بل بنى شراكة وثيقة مع طهران شملت تعاوناً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واسعاً. ووفق تقديرات إسرائيلية، لم يبقَ هذا التعاون في الإطار الرسمي، بل أتاح بناء شبكات مالية ولوجستية، وتسهيلات قانونية وإدارية، سهّلت حركة عناصر إيرانية وأخرى مرتبطة بحزب الله داخل القارة.
حرب الوكالة خارج الشرق الأوسط
تقول ساريت زهافي، رئيسة “معهد ألما” للدراسات الأمنية، إن إيران رأت في فنزويلا شريكاً مركزياً في مشروعها القائم على بناء شبكة وكلاء ونقاط ارتكاز خارج الشرق الأوسط، وبوابة استراتيجية باتجاه الولايات المتحدة. ووفق زهافي، لم تنظر طهران إلى كاراكاس كسوق لتصريف السلاح فحسب، بل كجزء أساسي من استراتيجية “حرب الوكالة” الإيرانية.
وتشير زهافي إلى أن إيران زوّدت فنزويلا بطائرات مسيّرة، ظهرت نماذج منها في عروض عسكرية فنزويلية قبل سنوات، وهي من الطراز نفسه الذي استُخدم لاحقاً في الحرب في أوكرانيا. وبرأيها، فإن هذا التشابه يعكس مستوى متقدماً من الشراكة العسكرية، لا مجرد تعاون تقني عابر.
وللتدليل على عمق العلاقة، تستحضر زهافي صورة دعائية صادرة سابقاً عن مكتب المرشد الإيراني، ضمّت قادة من “محور المقاومة”، من بينهم إسماعيل هنية، حسن نصر الله، زياد النخالة وقيادات حوثية، وفي طرف الصورة ظهر مادورو، غير المسلم الوحيد فيها. وتعتبر أن هذه الصورة لم تكن تفصيلاً رمزياً، بل رسالة سياسية متعمدة تعكس موقع فنزويلا في الرؤية الإيرانية.
العقوبات وشبكات الالتفاف
صحيفة هآرتس نقلت بدورها عن تقديرات أمنية إسرائيلية أن فنزويلا تحولت خلال أعوام إلى جزء من منظومة التفاف إيرانية على العقوبات الدولية، شملت تجارة نفط غير رسمية وتشغيل “أساطيل ظل” بالتنسيق مع روسيا، إضافة إلى تبادل خدمات اقتصادية وتقنية مكّنت طهران من الحفاظ على تدفق مواردها. كما تشير هذه التقديرات إلى استفادة عناصر من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله من تسهيلات محلية أتاحت لهم الحصول على وثائق سفر والتنقل بحرية نسبية داخل أميركا اللاتينية.
هل انتهى النفوذ الإيراني؟
ورغم أهمية الحدث، تحذّر زهافي من الاعتقاد بأن النفوذ الإيراني في فنزويلا انتهى فوراً مع سقوط مادورو. فبحسب رأيها، سيشهد هذا النفوذ تراجعاً تدريجياً، وقد يستغرق الأمر وقتاً في ظل وجود شبكات قائمة ومصالح متشابكة. لكنها تشدد على أن فنزويلا كانت الدولة الأهم لطهران في أميركا اللاتينية، وأن استبدال الحكم بسلطة غير مستعدة لشراء السلاح الإيراني أو منح طهران موطئ قدم سياسي وأمني، من شأنه أن يغيّر الصورة الاستراتيجية بالكامل.
في الخلاصة، لا تنظر إسرائيل إلى اعتقال مادورو كحدث معزول، بل كحلقة إضافية في صراع دولي أوسع مع إيران ومحورها. ومن تصريحات نتنياهو، إلى المواقف الدبلوماسية لساعر، وصولاً إلى التقديرات الأمنية التي عُرضت في الإعلام الإسرائيلي، تتبلور رواية واحدة ترى في فنزويلا ساحة بعيدة جغرافياً، لكنها قريبة جداً في حسابات الصراع الإقليمي والدولي.



