قمم تحت النار الباردة: ماذا تكشف تحصينات إسرائيل في جنوب لبنان؟
صور أقمار صناعية ترصد تموضعاً عسكرياً متوسط المدى يتجاوز مفهوم “الانتشار المؤقت” ويعيد طرح أسئلة السيادة واتفاق وقف إطلاق النار
تُظهر صور أقمار صناعية حديثة استمرار الجيش الإسرائيلي في تطوير خمسة مواقع عسكرية داخل جنوب لبنان، رغم انسحابه من البلدات والقرى الحدودية مطلع عام 2025 بموجب اتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله.
التحليل، الذي استند إلى صور ملتقطة بين أواخر 2024 ونهاية 2025، يكشف أن القوات الإسرائيلية لا تزال متمركزة على خمس قمم تلال استراتيجية في مناطق الحمامص، الحولا، جل الدير، تلة بلاط، ولبونة. وتُظهر الصور أعمال تحصين متقدمة، وشق طرق عسكرية، وإزالة عوائق، إضافة إلى رصد مركبات مدرعة وآثار تحركات دبابات ثقيلة.
انتشار “مؤقت” أم تموضع متوسط المدى؟
كانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت سابقاً أن بقاء القوات في هذه النقاط “مؤقت” ولأسباب دفاعية. إلا أن خبراء في تحليل صور الأقمار الصناعية يرون أن طبيعة الأعمال الهندسية والتحصينات تشير إلى استعداد لوجود متوسط المدى، وليس انتشاراً عابراً بانتظار انسحاب سريع.
وبحسب تقديرات مختصين في شؤون الأمن الجيوسياسي، فإن كثافة التحصينات وأجهزة المراقبة، إضافة إلى الأبراج الدفاعية والسواتر الترابية، تعكس بنية مواقع قتالية متكاملة تركز على الاستخبارات والمراقبة وإطلاق النار، أكثر من كونها نقاط مراقبة مؤقتة.
مواقع تطل على عمق الجنوب
يُعد موقع تلة الحمامص الأبعد داخل الأراضي اللبنانية، إذ يبعد نحو 1.4 كيلومتر عن الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة. وتشير الصور إلى تسارع ملحوظ في أعمال البناء منذ منتصف 2025، مع وجود دبابات محاطة بسواتر ترابية إلى الشرق من الموقع.
أما في الحولا ولبونة، فتُظهر الصور إنشاء تحصينات جديدة ومسارات تمتد عبر الخط الأزرق باتجاه الداخل الإسرائيلي. وتقع هذه المواقع قرب نقاط انتشار قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - يونيفيل، التي اعتبرت أن الأنشطة الإسرائيلية تمثل انتهاكاً لقرار مجلس الأمن 1701 ولسيادة لبنان.
وفي جل الدير وتلة بلاط، رُصدت أبراج مراقبة في الزوايا الأربع لبعض المواقع، إضافة إلى تعزيزات ميدانية متواصلة منذ أواخر 2024.
دلالات سياسية وأمنية
يرى محللون أن استمرار هذا التموضع يعكس قلقاً إسرائيلياً من عودة حزب الله إلى جنوب الليطاني أو إعادة بناء قدراته العسكرية بعد الحرب الأخيرة. كما يشيرون إلى أن الانسحاب الكامل يبدو غير مرجح في المدى القريب، في ظل استمرار التوتر الحدودي.
في المقابل، تؤكد إسرائيل أن وجودها في هذه النقاط يهدف إلى “إنشاء خط دفاعي لحماية المدنيين في شمال إسرائيل”، مشيرة إلى أنها تتخذ إجراءات لتجنب الاحتكاك مع قوات يونيفيل.
ما بعد وقف إطلاق النار
اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى 13 شهراً من المواجهات بين إسرائيل وحزب الله نصّ على انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها خلال الحرب، مقابل خروج مقاتلي الحزب من جنوب نهر الليطاني. غير أن استمرار الوجود الإسرائيلي على قمم التلال الخمس يبقي المشهد مفتوحاً على احتمالات التصعيد.
في المحصلة، تكشف صور الأقمار الصناعية واقعاً ميدانياً يتجاوز الخطاب السياسي: تحصينات متقدمة، تموضع دفاعي مستدام، ورسالة واضحة بأن الحدود الجنوبية للبنان لا تزال ساحة اشتباك بارد ينتظر لحظة الاشتعال.



