واشنطن تضع “الجماعة الإسلامية” على لائحة الإرهاب: الخلفيات والمسار والتداعيات
من الدعوة إلى السلاح – كيف أوصلت حرب غزة وتموضع المحاور فرع الإخوان في لبنان إلى أخطر تصنيف أميركي
في ذروة التصعيد الإقليمي الذي أعقب حرب غزة وامتداد تداعياتها إلى أكثر من ساحة، أعلنت الولايات المتحدة إدراج “الجماعة الإسلامية” في لبنان على لائحة التنظيمات الإرهابية الأجنبية، إلى جانب تصنيف أمينها العام محمد فوزي طقوش على لائحة “الإرهابيين العالميين”. خطوة لم تُقرأ في واشنطن كإجراء إداري معزول، بل كجزء من مسار استراتيجي أوسع يستهدف شبكات عابرة للحدود تُتّهم بدعم حركات مسلّحة تهدد المصالح الأميركية وحلفاءها في المنطقة.
القرار، الذي شمل أيضاً فروعاً من جماعة الإخوان المسلمين في دول أخرى، جاء بتنسيق بين وزارتي الخزانة والخارجية، واعتُبر ترجمة مباشرة لأمر تنفيذي وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أواخر عام 2025، دعا فيه إلى تضييق الخناق على البنى التنظيمية والمالية المرتبطة بالإخوان، ولا سيما تلك المتهمة بدعم حركة حماس.
أخطر درجات التصنيف
تصف واشنطن هذا الإجراء بأنه من أعلى مستويات التصنيف، إذ يضع التنظيمات المدرجة في خانة الاستهداف الشامل سياسياً ومالياً وأمنياً. وبحسب الرواية الأميركية، فإن “الجماعة الإسلامية” في لبنان تجاوزت منذ سنوات الإطار الدعوي والسياسي، وانخرطت عملياً في محور إقليمي تقوده إيران ويضم حزب الله وحماس، وشاركت عبر جناحها العسكري “قوات الفجر” في عمليات إسناد خلال حرب غزة، شملت إطلاق صواريخ من جنوب لبنان.
وترى الإدارة الأميركية أن هذا السلوك يجعل من التنظيم جزءاً من شبكة تهديد عابرة للحدود، ما يبرر تصنيفه كمنظمة إرهابية أجنبية، وتجميد أصوله المحتملة، ومنع أي تعامل مالي أو سياسي معه، وفتح الباب أمام ملاحقة أفراده وشبكاته في أكثر من دولة.
مسار طويل لا قرار مفاجئ
وفق خبراء في شؤون الجماعات المتطرفة، فإن إدراج “الجماعة الإسلامية” لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم تقارير استخبارية عن صلات مالية وتنظيمية بحماس وبالتنظيم الدولي للإخوان، إضافة إلى مشاركة ميدانية خلال جولات المواجهة الأخيرة مع إسرائيل. ويُنظر إلى القرار أيضاً كأداة ضغط غير مباشرة على حزب الله، في رسالة مفادها أن توصيف “الإرهاب” لن يقتصر على الفصائل الشيعية، بل يشمل حلفاءها من طيف إسلامي سنّي.
في المقابل، نفت الجماعة في بيان رسمي أي انخراط في أعمال إرهابية، واعتبرت القرار سياسياً ولا يترتب عليه مفاعيل قانونية داخل لبنان، مؤكدة أنها تنظيم مرخّص يعمل تحت سقف القانون ويرفض استهداف المدنيين.
من الدعوة إلى العمل العسكري
تاريخياً، شكّلت “الجماعة الإسلامية” الامتداد اللبناني لجماعة الإخوان المسلمين، وبرزت منذ خمسينيات القرن الماضي كحركة دعوية واجتماعية، قبل أن تدخل العمل السياسي وتشارك في الانتخابات. التحول المفصلي جاء خلال الحرب الأهلية، مع تأسيس جناحها العسكري “قوات الفجر” عام 1982 عقب الاجتياح الإسرائيلي.
ورغم انحسار دوره في مراحل لاحقة، عاد هذا الجناح إلى الواجهة خلال حرب تموز 2006، ثم بشكل أوضح بعد اندلاع حرب غزة عام 2023، حين أعلن انخراطه في عمليات إسناد من الجنوب. ومع انتخاب طقوش أميناً عاماً عام 2022، تعزز التقارب مع حزب الله وحماس، وتكرّس تموضع الجماعة ضمن محور “المقاومة”.
ماذا بعد التصنيف؟
على المستوى العملي، يفتح القرار الأميركي الباب أمام سلسلة تداعيات:
مالياً: تجميد أي أصول محتملة في الخارج، وتشديد الرقابة على التحويلات، وفرض عقوبات على أفراد أو مؤسسات يُشتبه بتعاملها مع الجماعة.
سياسياً: تضييق هامش تحركاتها وتحالفاتها، وإخضاع علاقاتها الإقليمية لتدقيق دولي أشد.
أمنياً: إدراج قياداتها وأطرها ضمن دائرة المتابعة الاستخبارية، مع احتمال ملاحقات أو إجراءات خاصة في دول ترتبط باتفاقات أمنية مع واشنطن.
داخلياً، لا يترتب على التصنيف أثر قانوني مباشر ما لم يصدر قرار لبناني مماثل، إلا أن انعكاساته ستظهر عملياً في القطاع المصرفي والعلاقات الخارجية، نظراً لارتباط النظام المالي اللبناني بالدولار وبالمنظومة الرقابية الأميركية.
في الخلاصة، يشكّل إدراج “الجماعة الإسلامية” على لائحة الإرهاب محطة مفصلية في مسار التنظيم، ويعكس تحوّلاً في المقاربة الأميركية تجاه شبكات الإسلام السياسي المسلحة، في لحظة إقليمية يعاد فيها رسم خطوط الصراع والتحالف على إيقاع حرب غزة وتداعياتها الممتدة.



