الصين وإيران - دعم محسوب بلا مظلة إنقاذ
كيف تساند بكين طهران تكنولوجياً وتتفادى الانخراط العسكري المباشر
تشير تقارير متداولة على منصات التواصل وبعض وسائل الإعلام الإيرانية إلى أن الصين نفذت في أواخر يناير جسراً جوياً عسكرياً واسعاً إلى إيران، تضمن نقل أنظمة دفاع جوي متقدمة عبر 16 طائرة شحن خلال أقل من ثلاثة أيام. غير أن مصادر أميركية مطلعة تنفي هذه الرواية جملة وتفصيلاً، وتؤكد أن ما يُروّج له يتجاوز بكثير حدود الواقع.
نفي الرواية المتداولة
يقول دبلوماسي رفيع في وزارة الخارجية الأميركية، يعمل في ملف الشرق الأدنى، إن الأجهزة الاستخباراتية لم ترصد أي تحرك من هذا النوع. ووفق تعبيره، فإن عملية بهذا الحجم لا يمكن أن تمر من دون أن تلتقطها أنظمة المراقبة التابعة للقوى الكبرى. ويضيف أن الحديث عن “جسر جوي عسكري صيني” إلى إيران يفتقر إلى أي أساس معلوماتي موثوق.
رؤية استخباراتية إقليمية
مسؤول اتصال استخباراتي إقليمي يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن دخول ست عشرة طائرة عسكرية صينية إلى الأجواء الإيرانية كان سيشكّل حدثاً استثنائياً ظاهراً لكل مراكز الرصد العالمية، وهو ما لم يحصل. وبحسب تقييمه، فإن الرواية المنتشرة أقرب إلى حملة تضخيم إعلامي منها إلى تسريب مبني على معطيات فعلية.
طبيعة الدعم الحقيقي
ما تؤكده التقديرات الأميركية هو وجود تعاون أضيق وأكثر حذراً. فبكين تواصل تزويد طهران بتكنولوجيا ذات استخدام مزدوج، ومعدات صناعية، ومكوّنات مرتبطة ببرامج الصواريخ، إضافة إلى أنظمة رادار وإلكترونيات تسمح بإنتاج محلي لمنظومات عسكرية من دون تسليم منصات قتالية جاهزة. ويختصر أحد المسؤولين هذا الدور بالقول إن الصين “تمكّن الاستمرار، لا التصعيد”، أي إنها تساعد إيران على الحفاظ على قدراتها ضمن سقف لا يستدعي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
الحرب الإلكترونية نموذجاً
يبرز هذا الدعم بشكل خاص في مجال الحرب الإلكترونية. فالتقييمات الأميركية تربط بين التطور الذي حققته إيران في التشويش على الاتصالات الفضائية وإشارات GPS والملاحة البحرية، وبين اعتمادها على تكنولوجيا صينية وروسية جرى تكييفها محلياً. ومع ذلك، تشدد واشنطن على أن هذا لا يرقى إلى تدخل عسكري صيني مباشر، ولا يتضمن وجود قوات أو تشغيل منظومات قتالية من قبل بكين.
الخط الأحمر الصيني
وفق هذه المقاربة، ترسم الصين لنفسها خطاً أحمر واضحاً يتمثل في عدم الانخراط في “إنقاذ عسكري” لإيران. فأولويات بكين تتركز على الاستقرار الإقليمي، واستمرار تدفق الطاقة، وحماية طرق التجارة، وتجنب أي صدام مباشر مع الولايات المتحدة. ومن شأن اندلاع حرب واسعة في المنطقة أن يهدد هذه المصالح مجتمعة.
خلاصة المشهد
الواقع، إذاً، أبعد ما يكون عن صورة الجسر الجوي العسكري الذي روّجت له بعض المنصات. فالصين لا تستعد للقتال إلى جانب إيران، ولا تسعى إلى تغيير موازين القوى عبر تدخل مباشر. لكنها، في المقابل، توفر دعماً تكنولوجياً محسوباً يساعد طهران على الصمود والحفاظ على قدراتها، ضمن معادلة دقيقة تجمع بين الشراكة الاستراتيجية والحذر من الانزلاق إلى مواجهة كبرى.



