من يحكم إيران فعلياً؟
مجلس الظل يصعد… والنظام يتحول من ديني إلى عسكري
تتجه الأنظار إلى طهران في ظل تساؤلات متزايدة حول من يدير القرار الحقيقي داخل إيران، بعد الضربات التي طالت كبار المسؤولين وتراجع ظهور القيادة التقليدية. وتشير معطيات متقاطعة إلى أن مركز السلطة لم يعد محصوراً بالمؤسسة الدينية، بل انتقل تدريجياً إلى يد الحرس الثوري، عبر ما يشبه “مجلس حرب” يدير البلاد من خلف الكواليس.
صعود مجلس الحرب
في قلب هذا التحول، يبرز اسم محسن رضائي، القائد السابق في الحرس الثوري، الذي يُعتقد أنه يتصدر قيادة غير معلنة تضم شخصيات أمنية وعسكرية بارزة. هذا التشكيل لا يعكس مجرد تغيير في الوجوه، بل تحوّلاً أعمق في طبيعة النظام، من حكم ديني تقليدي إلى نموذج أقرب إلى الدولة الأمنية العسكرية.
ويأتي هذا التطور في سياق فراغ سياسي واضح، عقب مقتل شخصيات محورية وتراجع دور القيادة العليا، ما فتح المجال أمام الحرس الثوري لتعزيز نفوذه والسيطرة على مفاصل القرار.
قبضة أمنية في الداخل
تزامناً مع هذا التحول، تشهد إيران تشديداً غير مسبوق في الإجراءات الأمنية. فقد مُنحت قوات “الباسيج” صلاحيات واسعة لفرض السيطرة في الشارع، وسط تقارير عن حملات اعتقال تستهدف شباناً بتهم تتعلق بالتعاون مع جهات خارجية.
هذا التصعيد يعكس اعتماداً متزايداً على الأدوات الأمنية لضبط الداخل، في ظل مخاوف من اضطرابات قد تتفاقم مع استمرار الحرب.
بغداد… ساحة مفتوحة
خارج الحدود الإيرانية، يبدو أن نفوذ طهران يواجه تحديات متزايدة، خصوصاً في العراق. فمع تصاعد التهديدات الأمنية، بدأت البعثات الدبلوماسية بالانسحاب، فيما تتعرض بغداد لضغوط متزايدة من واشنطن لنزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران.
وفي الوقت نفسه، تبقى هذه الميليشيات حاضرة على الأرض، ما يجعل العاصمة العراقية ساحة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على فرض سيادتها، أو استمرارها في التعايش مع قوى مسلحة موازية.
لبنان… نحو مرحلة أخطر
على الجبهة اللبنانية، تتجه المواجهة نحو تصعيد أوسع. فبعد مرحلة من الضربات الجوية، بدأت إسرائيل بإعادة رسم قواعد الاشتباك ميدانياً، عبر استهداف البنية التحتية الحيوية، خصوصاً الجسور والطرق الرئيسية في الجنوب.
هذا التصعيد يُنظر إليه كتمهيد محتمل لعملية برية، في ظل قناعة متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن القوة الجوية وحدها غير كافية لحسم المواجهة مع حزب الله.
وفي المقابل، يواصل الحزب القتال، مدعوماً بإمدادات إيرانية، ما يعزز منطق “حرب الاستنزاف” التي قد تطول دون حسم واضح.
صراع داخل المرجعية الشيعية
بالتوازي مع التحولات السياسية والعسكرية، يبرز انقسام متزايد داخل المرجعية الشيعية. فالنموذج الإيراني القائم على “ولاية الفقيه” يواجه تحديات، مع تصاعد نفوذ الحرس الثوري على حساب المؤسسة الدينية.
في المقابل، يطرح نموذج النجف، بقيادة علي السيستاني، رؤية مختلفة تقوم على تقليص دور رجال الدين في الحكم والتركيز على الاستقرار السياسي.
هذا التباين يعكس صراعاً أعمق حول طبيعة القيادة في العالم الشيعي، خصوصاً مع اقتراب مرحلة انتقالية في كل من إيران والعراق.
حربان في آن واحد
ما يجري في إيران لا يمكن فهمه كحرب تقليدية فقط. فبينما تعتمد الولايات المتحدة على استراتيجية تقوم على تدمير القدرات العسكرية، تتبنى إيران نهجاً مختلفاً يقوم على الصبر والاستنزاف.
هذا التباين في الاستراتيجيات يفسر استمرار الصراع رغم حجم الضربات، إذ لا تسعى طهران إلى انتصار سريع بقدر ما تراهن على القدرة على الصمود.
ويبرز هذا بشكل واضح في مضيق هرمز، حيث قد تتمكن الولايات المتحدة من السيطرة ميدانياً، لكنها لا تستطيع ضمان استقرار الأسواق، ما يمنح إيران ورقة ضغط فعالة.
الخلاصة
تشير هذه التطورات إلى أن إيران تمر بمرحلة تحول عميقة، تتجاوز مجرد صراع عسكري إلى إعادة تشكيل داخلية للنظام نفسه.
فمع صعود الحرس الثوري، وتراجع الدور التقليدي للمؤسسة الدينية، وتعدد ساحات المواجهة في المنطقة، يبدو أن البلاد تدخل مرحلة جديدة، عنوانها:
سلطة أكثر مركزية… وصراع أكثر تعقيداً.
ويبقى السؤال الأهم:
هل هذا التحول سيمنح النظام قدرة أكبر على الصمود… أم أنه بداية مرحلة اهتزاز داخلي أوسع؟



