دبلوماسية في باريس وغارات في لبنان: سباق الوقت بين السياسة والنار
مؤتمر لدعم الجيش اللبناني ومساعٍ لنزع سلاح حزب الله تقابلها رسائل إسرائيلية بالغارات
يتقاطع المساران الدبلوماسي والميداني مجدداً على الساحة اللبنانية، في مشهد يعكس سباقاً مفتوحاً بين محاولات احتواء التصعيد عبر السياسة، واستمرار الضغوط العسكرية على الأرض. ففي الوقت الذي احتضنت فيه باريس اجتماعاً دولياً ركّز على دعم الجيش اللبناني وتعزيز آليات نزع سلاح حزب الله، كانت الغارات الإسرائيلية تتواصل على جنوب لبنان والبقاع، في رسالة مباشرة لا تخلو من الدلالات.
باريس تتحرك لدعم الجيش اللبناني
على المستوى الدبلوماسي، أعلن متحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن الأطراف السياسية التي اجتمعت في باريس، الخميس، اتفقت على عقد مؤتمر في فبراير المقبل، يهدف إلى دعم القوات المسلحة اللبنانية. وأوضح أن المحادثات تناولت سبل تحقيق تقدّم ملموس في ملف نزع سلاح حزب الله، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في المرحلة الحالية.
وشارك في الاجتماعات قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل، إلى جانب مسؤولين فرنسيين وسعوديين وأميركيين، في مؤشر على اتساع المظلّة الدولية الساعية إلى تثبيت الاستقرار الهش في لبنان.
نزع السلاح وانتخابات 2026
ونقلت وكالة رويترز عن أربعة دبلوماسيين ومسؤولين من أوروبا ولبنان أن اجتماع باريس يهدف إلى تهيئة ظروف أفضل لتحديد آليات عملية لنزع السلاح والتحقق منه، بما قد يدفع إسرائيل إلى الإحجام عن التصعيد، في ظل مخاوف متزايدة من انهيار وقف إطلاق النار.
وأشار هؤلاء إلى أن اقتراب موعد الانتخابات التشريعية اللبنانية في عام 2026 يثير قلقاً من احتمال دخول البلاد في حالة شلل سياسي، قد تُضعف قدرة الرئيس اللبناني جوزاف عون على الضغط باتجاه استكمال مسار نزع السلاح، وتفتح الباب أمام اضطرابات جديدة.
تعزيز آلية وقف إطلاق النار
بحسب الدبلوماسيين، تتركز الفكرة الأساسية على تعزيز آلية وقف إطلاق النار القائمة، عبر إشراك خبراء عسكريين فرنسيين وأميركيين، وربما من دول أخرى، إلى جانب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. ويأتي ذلك في ظل افتقار الجيش اللبناني، وفق التقديرات الدولية، إلى القدرات الكافية لفرض نزع سلاح حزب الله بمفرده.
وتأمل الأطراف المعنية في تنظيم مؤتمر مطلع العام المقبل لدعم الجيش اللبناني، إلى جانب مؤتمر منفصل مخصص لإعادة الإعمار، ولا سيما في المناطق الجنوبية المتضررة.
وقف هش وتبادل اتهامات
وكانت إسرائيل ولبنان قد توصلا إلى وقف لإطلاق النار بوساطة أميركية في نوفمبر 2024، إلا أن الطرفين تبادلا منذ ذلك الحين الاتهامات بانتهاكه. ففي حين تشكك إسرائيل في جدية وقدرة الجيش اللبناني على نزع سلاح حزب الله، يتهم لبنان إسرائيل بخرق الاتفاق عبر الغارات الجوية المتكررة التي تستهدف، بحسب تل أبيب، مواقع للحزب.
غارات متزامنة ورسائل سياسية
على المستوى الميداني، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن غارات إسرائيلية استهدفت بلدات في جنوب لبنان ومناطق في سهل البقاع، بالتزامن مع انعقاد اجتماع باريس. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه ضرب أهدافاً لحزب الله في عدة مناطق، من بينها مجمعات عسكرية تُستخدم للتدريب وتخزين الأسلحة وإطلاق قذائف المدفعية، معتبراً أن هذه الأنشطة تشكل خرقاً للتفاهمات وتهديداً لإسرائيل.
وأضاف الجيش الإسرائيلي أنه استهدف أحد مقاتلي حزب الله في منطقة الطيبة جنوب البلاد.
بري: رسالة إلى مؤتمر باريس
وفي تعليق سياسي لافت، نقلت الوكالة الوطنية للإعلام عن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري قوله إن الغارات الإسرائيلية تشكل “رسالة” موجهة إلى مؤتمر باريس المخصص لدعم الجيش اللبناني، في إشارة إلى محاولة إسرائيل فرض معادلة ميدانية موازية للمسار الدبلوماسي.
بين الرهان الدولي والواقع الميداني
تعكس هذه التطورات حجم التناقض القائم بين الرهان الدولي على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش، وبين واقع ميداني لا يزال خاضعاً لمنطق القوة والرسائل العسكرية. وبينما تسعى باريس وشركاؤها إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، يبدو أن لبنان ما زال عالقاً في منطقة رمادية، حيث تتقدم الغارات بخطوة على الدبلوماسية، أو توازيها على الأقل.



