التآكل الصامت لسطوة حزب الله
من فائض القوة إلى اختبار الشرعية داخل الدولة
لم يكن حزب الله يوماً مجرّد لاعب سياسي عادي في لبنان، ولا فصيلاً مسلحاً محصور الدور. على مدى سنوات، شكّل الحزب حالة استثنائية داخل النظام اللبناني، مستنداً إلى تفوق عسكري منظم، وشبكات اجتماعية واقتصادية متشعبة، وتحالفات سياسية أتاحت له تجاوز منطق الدولة ومؤسساتها، من دون أن يكون خارجها بالكامل.
لكن هذه المعادلة، التي تكرّست بقوة بعد حرب 2006، تبدو اليوم أقل صلابة بكثير.
منذ الانهيار المالي عام 2019، مروراً بالشلل السياسي المزمن، وصولاً إلى الحرب الأخيرة مع إسرائيل وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، دخل موقع الحزب في مرحلة مراجعة قسرية. السؤال لم يعد فقط: هل لا يزال الحزب أقوى من الدولة؟ بل: من لا يزال مستعداً لتغطية هذا التفوق، سياسياً وشعبياً؟
أرقام لا يمكن تجاهلها
تشير استطلاعات حديثة صادرة عن مؤسسات بحثية مستقلة، من بينها Arab Barometer، إلى تراجع واضح في الثقة الوطنية بالحزب. أقل من ثلث اللبنانيين يعبّرون اليوم عن ثقة به، مقابل أكثر من نصف يعلنون عدم ثقتهم.
وعند تفكيك هذه النتائج طائفياً، يظهر المشهد أكثر وضوحاً:
في البيئة الشيعية، لا يزال الحزب يتمتع بدعم نسبي، لكنه لم يعد إجماعاً صلباً كما في السابق.
في البيئات السنية والمسيحية والدرزية، تبقى نسب الثقة متدنية للغاية، وغالباً دون 10%.
هذه الأرقام تعكس تحوّلاً تراكمياً في نظرة اللبنانيين إلى دور الحزب، لا سيما في ما يتعلّق بقرارات الحرب والسلم، وانعكاساتها المباشرة على حياتهم اليومية.
سقوط الغطاء المسيحي
شكّل تفاهم مار مخايل عام 2006 نقطة تحوّل مفصلية، إذ وفر للحزب غطاءً مسيحياً منظّماً، سمح له بتقديم نفسه كقوة وطنية عابرة للطوائف. لكن هذا الغطاء لم يصمد أمام المتغيرات.
إعلان التيار الوطني الحر فكّ التفاهم أنهى عملياً آخر مظلة مسيحية علنية لسلاح الحزب. لم يكن القرار وليد لحظة، بل نتيجة مسار طويل من التباينات، تفاقمت مع الانخراط في صراعات إقليمية تجاوزت حدود الدفاع عن لبنان.
بالنسبة لشريحة واسعة من المسيحيين، تحوّل السلاح من عنصر “حماية” إلى عامل تهديد مباشر للاستقرار والمستقبل، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة وما خلّفته من دمار وخسائر وانعدام أفق.
سياسياً، تعني هذه القطيعة أن الحزب فقد آخر شريك لبناني غير شيعي كان مستعداً لتحمّل كلفة التحالف معه.
عزلة سياسية شبه مكتملة
يرى مراقبون أن العلاقة التي جمعت الحزب بحلفائه لم تكن يوماً شراكة متكافئة، بل تبادلاً للمصالح. ومع تغيّر موازين القوة، تراجعت الجدوى السياسية من هذا التحالف.
اليوم، يواجه الحزب عزلة غير مسبوقة خارج بيئته المباشرة. لا تحالفات سنية، ولا درزية، ولا مسيحية. الاقتراب منه لم يعد يحقق مكاسب، بل بات عبئاً سياسياً في بلد يبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار والانفتاح الخارجي.
التحوّل داخل البيئة الشيعية
رغم احتفاظ الحزب بتنظيمه الحديدي داخل الطائفة الشيعية، إلا أن مؤشرات التململ بدأت بالظهور. لسنوات، وفّر الحزب لمناصريه شعوراً بالأمان، وتعويضات، وحماية اجتماعية واقتصادية. اليوم، هذه العناصر تتآكل:
خسائر بشرية وأمنية متزايدة
تعويضات غير كافية
ضغط اقتصادي خانق
تراجع القدرة على فرض “الاستثناء”
هذه التحولات لا تعني انهياراً فورياً في قاعدة الحزب، لكنها تشير إلى بداية كسر احتكار التمثيل، وهو تطور قد ينعكس سياسياً في المدى المتوسط، حتى ضمن نظام انتخابي غير متكافئ.
هل لا يزال فوق الدولة؟
السؤال لم يعد نظرياً. حزب الله لا يزال يمتلك قوة عسكرية تفوق الدولة، لكنه يواجه اليوم واقعاً جديداً:
تراجع شرعيته الوطنية، انفضاض حلفائه، وبيئة داخلية أقل تسليماً بالمعادلة القديمة.
ما كان يُدار سابقاً بفائض القوة، بات اليوم يُختبر بفائض الكلفة. وفي بلد مأزوم مثل لبنان، الكلفة السياسية والاجتماعية لم تعد تفصيلاً يمكن تجاهله.



