صمت مسيحيي سوريا… بين حسابات البقاء وأسئلة الشراكة
أقلية تتفادى الصدام اليوم… فهل تدفع ثمن الغد؟
في خضم التحولات العاصفة التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، يبدو موقف المسيحيين مختلفاً عن بقية المكونات. ففي وقت شهدت فيه محافظة السويداء اشتباكات دامية بين فصائل درزية وقوات مرتبطة بالحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، ووقعت مواجهات مع الأكراد في الشمال الشرقي، ظل الصوت المسيحي خافتاً إلى حدّ بعيد.
تُقدَّر أعداد المسيحيين في سوريا اليوم بنحو نصف مليون نسمة، بعد أن كانت نسبتهم قبل عام 2011 أعلى بكثير. فالحرب والهجرة أفرغتا مناطق واسعة من حضورهم التاريخي، إذ تشير تقديرات إلى أن أكثر من 75% منهم غادروا البلاد خلال سنوات الصراع. ومع ذلك، لا يزال وجودهم يحمل رمزية سياسية ودينية تتجاوز أعدادهم الفعلية، نظراً إلى حساسية ملف الأقليات في سوريا واهتمام الغرب بمصيرهم.
إرث الحياد في ظل الأنظمة المتعاقبة
طوال عقود حكم عائلة الأسد، عاش المسيحيون ضمن معادلة غير مكتوبة: الامتناع عن الانخراط السياسي مقابل هامش من الحرية الدينية والاستقرار النسبي. قدّم النظام نفسه بوصفه “حامياً للأقليات”، واستثمر في خطاب التخويف من البديل الإسلامي، فيما فضّلت القيادات الكنسية التمسك بسياسة الحذر والحياد.
لكن تلك المعادلة سقطت مع انهيار النظام. واليوم، يجد المسيحيون أنفسهم أمام واقع جديد: سلطة يقودها رئيس ذو خلفية إسلامية جهادية سابقة، وأغلبية سنية استعادت زمام المبادرة بعد عقود من التهميش السياسي.
صمت مدروس أم خوف من المجهول؟
في حين رفع قادة دروز الصوت ضد ما وصفوه بسياسات تهمّشهم، وطالب الأكراد بصيغة تضمن تمثيلهم السياسي، اختار معظم القادة المسيحيين التريث. لا بيانات حادة، ولا مواقف صدامية واضحة تجاه ما يجري في الجنوب أو الشمال.
يُرجع بعض المراقبين هذا الصمت إلى حسابات البقاء. فالمسيحيون، بخلاف مكونات أخرى، لم يطالبوا علناً بدور سياسي في الحكم الجديد، ما جعلهم أقل عرضة للاحتكاك المباشر مع السلطة. لكن في المقابل، لا يخفي كثيرون قلقهم من مستقبل الحريات الدينية، ومن احتمال تضييق تدريجي يغيّر طبيعة وجودهم التاريخي.
ورغم هذا الميل العام إلى الحذر، برزت مواقف استثنائية. ففي السويداء، احتضنت كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك في بلدة شهبا مدنيين دروزاً خلال المواجهات، وأدان كاهنها علناً أعمال العنف، مؤكداً أن العيش المشترك لا يقوم على الصمت أمام الانتهاكات.
عقد جديد أم عودة إلى “الرعايا”؟
تحت الحكم الجديد، تبدو العلاقة مع المسيحيين أقرب إلى نموذج “الإدارة عبر رجال الدين” – أي التعامل مع الطائفة من خلال قياداتها الكنسية، مقابل ضمان ولائها وعدم تحركها سياسياً. هذا النموذج يعيد إلى الأذهان أنماطاً تاريخية من الحكم حيث تُمنح حرية العبادة مقابل الامتناع عن المطالبة بدور سياسي فعلي.
غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر بعيدة المدى. فالمجتمعات التي تقبل موقع “الرعية” بدلاً من المواطنة الكاملة قد تحافظ على أمنها مؤقتاً، لكنها تبتعد عن المشاركة في صياغة مستقبل الدولة.
في المقابل، اختارت مكونات أخرى – مثل الدروز والأكراد – المواجهة والمطالبة بالشراكة السياسية، رافضة الاكتفاء بدور ثانوي. هذا التباين يطرح سؤالاً عميقاً: هل سيبقى المسيحيون خارج المعادلة السياسية الجديدة، أم سيجدون أنفسهم مضطرين لاحقاً إلى إعادة تعريف موقعهم؟
بين الحكمة والمقامرة
قد يكون الصمت اليوم استراتيجية لتفادي الأسوأ. لكن الرهان على الحماية الضمنية، سواء بدافع داخلي أو خشية من رد فعل غربي، لا يضمن استقراراً دائماً. فالنظام الجديد ما زال في طور تثبيت أركانه، والتوازنات الداخلية والإقليمية لم تستقر بعد.
يبقى السؤال مفتوحاً:
هل يشكّل صمت مسيحيي سوريا حكمة سياسية في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، أم أنه تأجيل لمواجهة لا مفرّ منها حول طبيعة الدولة وهوية المواطنة؟
في سوريا ما بعد الأسد، لم يعد الحياد خياراً سهلاً، بل معادلة محفوفة بالمخاطر – سواء اختير الصوت المرتفع أو الصمت المحسوب.



