لماذا لا يرد الخليج عسكرياً على إيران؟ ثلاث حسابات تحكم القرار
ضبط النفس الخليجي ليس ضعفاً بل مزيج من الردع الدفاعي وحسابات الكلفة والمخاطر
رغم تعرض دول الخليج لموجة غير مسبوقة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فإنها لا تزال تتجنب الرد العسكري المباشر على طهران.
هذا التريث لا يعكس غياب القدرة، بل يرتبط بحسابات استراتيجية معقدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن الإقليمي والاقتصاد واستقرار الدولة.
أولاً: تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة
تدرك العواصم الخليجية أن أي رد مباشر على إيران لن يكون مجرد ضربة محدودة، بل قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة.
فدخول الخليج كطرف مباشر في الحرب سيعيد رسم طبيعة الصراع، ويحوّل أراضيه ومنشآته إلى أهداف رئيسية في المواجهة.
لهذا، تميل هذه الدول إلى الحفاظ على موقع “غير المنخرط عسكرياً”، مع الإبقاء على هامش سياسي يسمح لها بلعب دور في أي مسار تفاوضي محتمل.
كما أن الموقف الخليجي يقوم على صيغة “ردع دفاعي” أكثر منه تحالفاً هجومياً، حيث تركز الدول على حماية أجوائها ومنشآتها بدلاً من توسيع دائرة القتال.
ثانياً: كلفة الرد العسكري ومحدودية تأثيره
السؤال في الخليج ليس: هل يمكن الرد؟ بل: هل يستحق الرد؟
في ظل الحضور العسكري الأميركي - الإسرائيلي المكثف، ترى دول الخليج أن أي مساهمة هجومية منها لن تغيّر ميزان القوى بشكل حاسم، بل قد تضيف مخاطر إضافية.
في المقابل، تواجه هذه الدول تهديداً مباشراً على بنيتها التحتية، خاصة على طول السواحل حيث تتركز منشآت الطاقة والموانئ.
وهذا يجعل الأولوية لاستخدام القدرات العسكرية في الدفاع عن الأجواء والمنشآت الحيوية، بدلاً من الانخراط في ضربات بعيدة داخل إيران.
كما أن صناع القرار يأخذون بعين الاعتبار أن إيران، حتى في حال إضعافها، ستبقى جاراً دائماً، ما يعني احتمال استمرار التهديدات لسنوات طويلة.
ثالثاً: الاقتصاد في قلب المعادلة
العامل الأكثر حسماً في الحسابات الخليجية هو الكلفة الاقتصادية لأي تصعيد.
فالخليج لا يعتمد فقط على النفط، بل على منظومة اقتصادية متكاملة تشمل الموانئ والطيران والخدمات اللوجستية والأسواق المالية - وكلها باتت ضمن نطاق التهديد.
ويبرز Strait of Hormuz كمثال واضح على هذا التوازن الهش، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ما يجعله نقطة قوة استراتيجية، وفي الوقت نفسه نقطة ضعف خطيرة في حال التصعيد.
وقد بدأت آثار الحرب تظهر بالفعل من خلال تراجع صادرات النفط، واضطراب حركة الملاحة، وانخفاض مؤشرات الأسواق، إلى جانب إلغاء آلاف الرحلات الجوية وتأثر قطاع السياحة.
هذه المعطيات تجعل خيار “الاحتواء المؤلم” أقل كلفة من الدخول في حرب استنزاف مفتوحة على الأرض والاقتصاد.
متى قد يتغير الموقف؟
رغم استمرار سياسة ضبط النفس، فإن هذا النهج ليس ثابتاً.
فإذا تصاعدت الهجمات إلى مستوى يهدد استمرارية الدولة أو استهدف البنية التحتية بشكل واسع، قد تعيد دول الخليج حساباتها.
لكن حتى في هذه الحالة، يرجح أن يكون الرد محدوداً ومدروساً، بهدف إعادة ترميم الردع، وليس فتح حرب شاملة.
توازن دقيق
في المحصلة، يقف الخليج اليوم أمام معادلة دقيقة: حماية أمنه دون الانجرار إلى حرب مفتوحة، والحفاظ على اقتصاده دون إظهار ضعف استراتيجي.
ولهذا، يبدو أن خيار التريث - حتى الآن - ليس تردداً، بل استراتيجية محسوبة في واحدة من أكثر لحظات المنطقة حساسية.



