أثمان الجثامين في إيران
كيف تحوّل القتل في الشارع إلى عبء مالي على عائلات الضحايا؟
عندما قصد جعفر الياسي دائرة الطب العدلي في محافظة إيلام لاستلام جثمان ابن عمه، لم يكن يتوقع أن يتحوّل الوداع إلى مفاوضة مالية قاسية.
أُبلغت العائلة أن تسلّم الجثة مشروط بدفع ملياري تومان إيراني، أي ما يعادل نحو 16 ألف دولار أميركي - مبلغ يفوق قدرتهم في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد.
هذه الواقعة ليست استثناءً. فمنذ اندلاع الاحتجاجات في إيران أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، تتكشّف تدريجياً ممارسات ممنهجة تُفيد بأن السلطات تفرض مبالغ مالية وتعهدات خطية على عائلات القتلى مقابل تسليم الجثامين، في ظل إجراءات أمنية مشددة وتعتيم واسع على المعلومات.
تقارير حقوقية دولية ومحلية تشير إلى سقوط آلاف القتلى في مدن إيرانية مختلفة. وتُجمع هذه التقارير على أن عام 2025 شهد تصعيداً غير مسبوق في استخدام القوة القاتلة، شمل إطلاق النار المباشر على المتظاهرين والمارة، واستهداف الرأس والجذع، بالتوازي مع قطع الإنترنت وتقييد الاتصالات في مناطق واسعة لإخفاء حجم الخسائر البشرية.
رغم هذه القيود، تروي عائلات الضحايا قصصاً متشابهة. يقول جعفر الياسي إن ابن عمه، وحيد والديه، كان عاطلاً عن العمل منذ أكثر من ست سنوات رغم تخرّجه الجامعي. خرج مع مجموعة من أصدقائه احتجاجاً على البطالة وتدهور الأوضاع المعيشية. لم يعد.
الأخطر، وفق روايته، أن السلطات وضعت الأسرة أمام خيارين: إما دفع المبلغ المطلوب، أو التوقيع على إفادة تُفيد بأن القتيل كان عنصراً في قوات “الباسيج” وقُتل على يد “مثيري الشغب”. حتى اللحظة، لم تتمكن العائلة من تأمين المال، ولا من استلام الجثمان.
شهادات متقاطعة من ناشطين وأقارب ضحايا، داخل إيران وخارجها، تؤكد أن دوائر الطب العدلي والمستشفيات في مدن عدة باتت مكتظة بالجثامين منذ أسابيع. وتقول هذه المصادر إن عدداً كبيراً من العائلات مُنع من استلام جثث أبنائها بسبب المبالغ المفروضة أو رفضها التوقيع على تعهدات أمنية.
وبحسب هذه الشهادات، هُدّدت بعض الأسر بدفن الجثث في مقابر مجهولة إذا لم تُستلم خلال فترة محددة، كما مُنعت مجالس العزاء، وجرى توصيف القتلى رسمياً على أنهم “مخربون” أو “مدفوعون من الخارج”.
يرى مراقبون أن هذه السياسة لا تنفصل عن استراتيجية أوسع تهدف إلى ردع المجتمع عبر تحويل القتل نفسه إلى عقوبة جماعية. فالمسألة لا تتعلق فقط بإسكات الاحتجاج في الشارع، بل بتحميل العائلات عبءاً نفسياً ومالياً يضاعف كلفة الاعتراض.
وفي بلد يعاني من تضخم حاد، وانهيار في قيمة العملة، وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر، تصبح المطالبة بمبالغ كهذه شكلاً إضافياً من العقاب. فالموت لا ينهي المعاناة، بل يفتح فصلاً جديداً منها، تتحول فيه الجثة إلى أداة ضغط، والعائلة إلى طرف مُدان.
بهذا المعنى، لا تبدو القضية مجرد انتهاك فردي، بل نمطاً متكرراً يعكس كيف يُدار العنف في إيران اليوم: رصاص في الشارع، صمت في الإعلام، وفاتورة تُدفع بعد الموت.



