مهلة دمشق لـ"قسد"… أربعة أيام حاسمة وملامح تراجع في الموقف الأميركي
بين مهلة الاندماج وانسحاب المظلّة الأميركية… شرق الفرات أمام أخطر اختبار سياسي وأمني منذ سقوط الأسد
في تطور مفصلي على مسار الصراع في شمال شرقي سوريا، أعلنت الحكومة السورية وقفاً لإطلاق النار مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومنحتها مهلة أربعة أيام للموافقة على الاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة المركزية، في خطوة ترافقت مع مؤشرات واضحة على انحسار الدعم الأميركي للقوة الكردية التي شكّلت لسنوات الشريك الميداني الأبرز لواشنطن في محاربة تنظيم داعش.
التقدم السريع الذي حققته القوات الحكومية خلال الأيام الماضية، وانتزاعها مساحات واسعة في ريف الحسكة ومحيط كوباني والرقة ودير الزور، يعكس تحوّلاً استراتيجياً هو الأبرز منذ إسقاط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، ويعيد رسم موازين القوى في واحدة من أكثر المناطق حساسية إقليمياً.
المبعوث الأميركي الخاص توم باراك وصف عرض الاندماج الذي تقدمه دمشق للأكراد – متضمناً حقوق المواطنة، والتمثيل السياسي، والاعتراف بالخصوصية الثقافية – بأنه “فرصة تاريخية”، في إشارة لافتة إلى أن المهمة التي من أجلها دعمت واشنطن “قسد” قد انتهت عملياً، وأن الولايات المتحدة لا ترى مصلحة طويلة الأمد في استمرار وجودها العسكري في سوريا.
في المقابل، اكتفى البيت الأبيض بالتعبير عن “قلق بالغ” حيال التطورات، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس وحماية المدنيين، من دون إبداء أي التزام واضح بالدفاع عن المكاسب التي حققتها “قسد” خلال سنوات الحرب.
وقف نار مشروط بالاندماج
بيان الحكومة السورية أكد التوصل إلى تفاهم أولي مع “قسد” يقضي بوقف إطلاق النار لأربعة أيام، على أن تقدّم خلالها القيادة الكردية خطة واضحة للاندماج في وزارتي الدفاع والداخلية، بما يشمل إعادة هيكلة القوات وتسليم الإدارة الأمنية والعسكرية في محافظة الحسكة لدمشق.
وطلبت الحكومة من “قسد” تسمية ضابط ليتولى منصب نائب وزير الدفاع في إطار الترتيبات الانتقالية، في إشارة إلى أن الاندماج لن يكون شكلياً، بل مؤسسياً ومباشراً.
من جهتها أعلنت “قسد” التزامها بالهدنة وعدم القيام بأي عمل عسكري ما لم تتعرض لهجوم، لكنها لم تحسم موقفها من شروط الدمج، في ظل ضغوط متزايدة من أنقرة التي تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
ملف داعش… القلق الأكبر
التطورات الميدانية ترافقت مع تحركات خطيرة في ملف معتقلي تنظيم داعش. فقد أكدت مصادر أميركية وسورية فرار عشرات السجناء من سجن الشدادي ومحيط مخيم الهول مع انسحاب “قسد”، قبل أن تعلن دمشق استعادة القسم الأكبر منهم.
ويمثل هذا الملف أحد أبرز دوافع الاستعجال الأميركي لإنهاء حالة الازدواج الأمني في شرق الفرات، خشية انهيار منظومة الاحتجاز التي تضم آلاف المقاتلين المتشددين وعائلاتهم، وما قد يترتب على ذلك من عودة النشاط الجهادي عبر الحدود السورية-العراقية والتركية.
نهاية مرحلة
سياسياً، توحي مهلة الأيام الأربعة بأن دمشق، مدعومة بتفاهمات إقليمية وغطاء دولي ضمني، تسعى إلى إنهاء مرحلة الحكم الذاتي الكردي بصيغته العسكرية، واستبداله بترتيب اندماجي يضمن وحدة الدولة، ويخفف من مخاوف تركيا، ويمنع تحول المنطقة إلى فراغ أمني.
أما واشنطن، فبدت وكأنها تنتقل من موقع الراعي إلى موقع المراقب، مكتفية بإدارة عملية الخروج المنظم من الملف السوري، بعد أن تحققت أولوياتها الأساسية المتمثلة بإضعاف تنظيم داعش ومنع تمدد النفوذ الإيراني غير المنضبط.
الأيام الأربعة المقبلة ستحدد ما إذا كانت “قسد” ستقبل الدخول في الدولة بشروط دمشق، أم أن المنطقة ستتجه إلى جولة صراع جديدة في لحظة إقليمية شديدة السيولة، حيث يعاد رسم الخرائط والنفوذ على وقع تسويات كبرى لم تكتمل ملامحها بعد.



