الضم كسياسة رسمية: إسرائيل تُقفل الباب على الدولة الفلسطينية
بين قرارات الكابينت وصمت المجتمع الدولي.. الضفة تُدفع نحو واقع الضم النهائي
لم تعد قرارات الحكومة الإسرائيلية الأخيرة بشأن الضفة الغربية مجرّد خطوات إدارية أو توسّع استيطاني متدرّج، بل باتت إعلاناً سياسياً صريحاً عن مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الضمّ ودفن أيّ أفق لدولة فلسطينية مستقلة.
هذا ما فهمته الرئاسة الفلسطينية، التي سارعت إلى إدانة القرارات الإسرائيلية ووصفتها بأنها تصعيد غير مسبوق يستهدف الوجود الفلسطيني ويمسّ جوهر حلّ الدولتين. وفي تحرّك سياسي متزامن، دعا الرئيس محمود عباس الإدارة الأميركية إلى إعادة التأكيد على تعهّداتها السابقة بوقف الضم والتهجير، محذّراً من تداعيات هذه الخطوات على الأمن الإقليمي، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان وفي ظل المساس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية.
التوقيت لم يكن عابراً. فالقرارات الإسرائيلية صدرت قبل أيام من زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، في محاولة واضحة لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أيّ نقاش سياسي محتمل مع الإدارة الأميركية، رغم معارضة الرئيس دونالد ترامب العلنية سابقاً لضمّ الضفة الغربية.
في المقابل، جاء الموقف الإسرائيلي أكثر وضوحاً وحدّة. وزير المالية بتسلئيل سموتريتش لم يكتفِ بالدفاع عن الإجراءات، بل أعلن صراحة أن أحد أهدافها هو «دفن فكرة قيام دولة فلسطينية». أما وزير الدفاع يسرائيل كاتس، فاعتبر أن ما يُسمّى «يهودا والسامرة» تمثّل «قلب البلاد»، وأن تعزيز السيطرة عليها مصلحة أمنية وصهيونية عليا.
القرارات التي أقرّها المجلس الوزاري الأمني المصغّر تشمل رفع قيود تاريخية على شراء الأراضي في الضفة الغربية، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في مدن فلسطينية – بينها الخليل – من السلطات المحلية الفلسطينية إلى الهيئات الإسرائيلية، إضافة إلى منح إسرائيل حق إدارة مواقع دينية تقع ضمن مناطق خاضعة اسمياً للسلطة الفلسطينية. وهي خطوات تعني عملياً تفريغ اتفاقيات أوسلو والخليل من مضمونها، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان إداري منزوع الصلاحيات.
ردود الفعل لم تقتصر على الجانب الفلسطيني. الأردن، الشريك المباشر في ملف القدس والمقدسات، أدان الإجراءات بشدة، محذّراً من تقويض حلّ الدولتين وتهديد الاستقرار الإقليمي. كما عبّر الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عن قلق بالغ، معتبرين أن المسار الإسرائيلي الراهن يقوّض أيّ أفق سياسي ويخالف القانون الدولي.
في المقابل، رحّبت منظمات المستوطنين بالقرارات، واعتبرتها إعلاناً فعلياً بأن الضفة الغربية «أرض إسرائيلية»، في انسجام كامل مع خطاب اليمين الديني القومي الذي بات يمسك بمفاصل القرار في تل أبيب.
اليوم، تعيش الضفة الغربية واقعاً أكثر هشاشة من أيّ وقت مضى: توسّع استيطاني غير مسبوق، صلاحيات فلسطينية تتآكل، وخطاب إسرائيلي رسمي لا يكتفي برفض الدولة الفلسطينية، بل يعمل على إقفالها نهائياً كخيار سياسي. وبين إدانات دولية متكرّرة بلا أدوات ضغط فعّالة، تبدو إسرائيل ماضية في فرض وقائع يصعب التراجع عنها، فيما يتحوّل حلّ الدولتين إلى شعار يتآكل على وقع الجرافات والقرارات الإدارية.



