الإسلاموفوبيا.. حين يتحوّل الخوف إلى تجارة ويُختطف الدين
كيف استخدم الإسلام السياسي خطاب المظلومية كسلاح للهيمنة وإسكات النقد في الغرب
لم يُساء استخدام أي مصطلح في النقاش العام المعاصر كما أُسيء إلى مصطلح “الإسلاموفوبيا”. فبينما يُفترض أن يشير إلى ظاهرة عنصرية أو خوف غير عقلاني من المسلمين، تحوّل في كثير من السياقات إلى أداة سياسية جاهزة، تُشهر في وجه كل نقد، وتُستخدم لإسكات الأصوات، لا لحماية الحقوق.
السؤال الجوهري ليس: هل توجد عنصرية ضد المسلمين في الغرب؟
بل: من الذي استثمر هذا الخوف؟ وكيف تحوّل من قضية حقوقية إلى صناعة سياسية عابرة للحدود؟
من الدفاع إلى الاحتكار
في أصل المفهوم، تعبّر الإسلاموفوبيا عن كراهية أو تمييز ينبغي مواجهتهما بلا تردد. لكن ما جرى لاحقاً هو تحويل هذا المفهوم إلى “سلاح هجومي” في يد تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، لا للدفاع عن المسلمين، بل لاحتكار تمثيلهم، وفرض وصاية عليهم، وتكميم أي صوت نقدي، حتى لو كان هذا الصوت مسلماً.
بهذا المعنى، لم تعد الإسلاموفوبيا توصيفاً لمرض اجتماعي، بل أداة ابتزاز أخلاقي، تُستخدم لتجريم أي نقاش حول التطرف، أو العنف، أو توظيف الدين في السياسة.
الغرب كمساحة استثمار
منذ سبعينيات القرن الماضي، أدركت جماعات الإسلام السياسي أن الغرب لا يمثّل فقط ملاذاً آمناً من الملاحقات، بل ساحة مفتوحة للتأثير، بفعل عقدة الذنب التاريخية المرتبطة بالاستعمار والعنصرية. هذا الشعور الغربي بالذنب، الذي كان يفترض أن يقود إلى مراجعات أخلاقية عميقة، جرى استغلاله وتحويله إلى حالة شلل فكري.
أي نقد يُواجَه فوراً بتهمة “الإسلاموفوبيا”.
حديث عن الإرهاب؟ إسلاموفوبيا.
تنظيم المجال الديني؟ حرب على الإسلام.
نقاش حول الحجاب القسري أو النقاب السياسي؟ اضطهاد ديني.
وهكذا، يتحوّل النقاش العام إلى محكمة معكوسة، يُدان فيها الناقد مسبقاً، ويُمنح المتطرف حصانة أخلاقية كاملة.
الخلط المقصود بين الإسلام والإسلاميين
أخطر ما في هذا المسار هو الدمج القسري بين الإسلام كدين، والإسلام السياسي كمشروع أيديولوجي. يصبح الإخوان هم الإسلام، والإسلام هو الإخوان. وكل من يرفض هذا الاختزال يُصنَّف خائناً، أو عميلاً، أو أداة بيد الاستعمار.
المفارقة أن هذا الخطاب لا يدافع عن المسلمين بوصفهم مواطنين، بل يحصرهم داخل غيتو هوياتي مغلق، قائم على شعور مزدوج: التفوق الأخلاقي من جهة، والاضطهاد الدائم من جهة أخرى. مزيج مثالي لصناعة التبعية.
ارتباك اليسار الغربي
في هذا السياق، وقع جزء من اليسار الغربي في فخ الابتزاز العاطفي. فبحكم حساسيته التاريخية تجاه العنصرية والنازية، أصبح متردداً أمام نقد الإسلام السياسي، خلطاً بين حرية الدين، وحرية مشروع أيديولوجي شمولي يناقض الديمقراطية من جذورها.
اليسار الذي لا يتردد في مواجهة الفاشية البيضاء، يصمت أمام التطرف الديني، ويبرّر القمع باسم “الخصوصية الثقافية”، دون أن يسأل: خصوصية من؟ ولمصلحة من؟
ازدواجية صارخة
في الوقت الذي يرفع فيه الإسلام السياسي شعار محاربة الإسلاموفوبيا، يمارس في المقابل خطاب “الغربفوبيا”: الغرب كافر، متآمر، فاسد… لكن خدماته مباحة، وحرياته مطلوبة، وديمقراطيته مرفوضة، والعيش تحت مظلته ضرورة.
تناقض لا يهدف إلى الاتساق، بل إلى السيطرة.
الإسلام خارج منطق الصدام
يُظهر النموذج المضاد أن الإسلام لا يحتاج إلى صراخ ولا مظلومية كي يعيش. المسلم المندمج، الناجح، الواثق، الذي لا يرفع راية الصدام، يشكّل كابوساً لهذا الخطاب، لأنه يفضح زيفه. الإيمان الذي يعيش بلا ضجيج، وبلا ابتزاز، هو التهديد الحقيقي لكل من يتاجر بالخوف.
الخطر الحقيقي
الخطر لا يكمن فقط في عنصرية بعض الغربيين تجاه المسلمين، بل في استخدام الإسلاموفوبيا لإغلاق عقول المسلمين أنفسهم. حين تتحول إلى أداة بيد جماعات سياسية، فهي لا تحمي الدين، بل تختطفه، ولا تدافع عن المسلمين، بل تحبسهم في صورة الضحية الأبدية.
الدفاع الحقيقي عن الإسلام لا يكون بتكميم الأفواه، ولا بتقديس الجماعات، بل بتفكيك التطرف، وفصل الدين عن مشاريع الهيمنة، والدفاع عن حق المسلم في أن يكون مواطناً حراً، لا جندياً في معركة هوية لا تنتهي.
أما الذين يبيعون الخوف، فسيظلون يصرخون: “إسلاموفوبيا”…
حتى لا يُطرح السؤال الأهم:
من الذي يخاف حقاً من إسلامٍ حر، بلا وصاية، وبلا جماعة تدّعي أنها وحدها الإسلام؟



