مأزق المرجعية الشيعية بعد “توريث” خامنئي
بين ولاية الفقيه ومرجعية النجف… صراع الصلاحيات والشرعية
في لحظة مفصلية من تاريخ الشيعة المعاصر، يعيد انتقال منصب “المرشد الأعلى” في إيران إلى مجتبى خامنئي فتح نقاش قديم - جديد حول طبيعة المرجعية الدينية وحدودها، ودور السياسة في تشكيلها. فبينما تبدو “ولاية الفقيه” في طهران أكثر رسوخاً من أي وقت مضى، تتصاعد الأسئلة حول شرعيتها الدينية وحدود نفوذها، خاصة في ظل المقارنة المستمرة مع نموذج النجف.
جذور الأزمة - من “الغيبة” إلى الدولة
منذ دخول الإمام المهدي في “الغيبة الكبرى”، عاش الفكر الشيعي حالة اجتهاد مستمر حول من يملك حق قيادة المجتمع. وعلى مدى قرون، لم تتبلور سلطة دينية - سياسية مطلقة، بل بقي دور الفقهاء محصوراً في الإرشاد وتنظيم شؤون المجتمع.
هذا التوازن تغيّر جذرياً مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979، حين أسس روح الله الخميني لنظرية “ولاية الفقيه” بصيغتها المؤسسية، مانحاً الفقيه سلطة سياسية ودينية شبه مطلقة، باعتباره نائباً عن الإمام الغائب.
لكن هذه الصيغة، رغم قوتها داخل إيران، لم تحسم الجدل داخل العالم الشيعي، بل فتحت باباً لصراع مستمر بين مدرستين:
مدرسة “الحكم الديني” في قم
ومدرسة “المرجعية المرنة” في النجف
قم vs النجف - صراع النموذجين
يبرز الاختلاف الجوهري بين النموذجين في طبيعة السلطة:
في إيران، تمثل “ولاية الفقيه” نظام حكم كامل، حيث يمتلك المرشد صلاحيات سياسية وعسكرية ودينية واسعة، تتجاوز حتى ما كان معمولاً به تاريخياً في الفقه الشيعي.
أما في النجف، كما يعكس نهج المرجع علي السيستاني، فالدور الديني يبقى منفصلاً نسبياً عن السلطة السياسية. فالمرجعية تتدخل عند الضرورة - كما حدث في العراق بعد 2003 أو خلال فتوى “الجهاد الكفائي” - لكنها لا تسعى إلى حكم مباشر.
هذا التباين يعكس اختلافاً عميقاً في فهم “الولاية”:
في قم: ولاية مطلقة
في النجف: ولاية مشروطة بالمصلحة والقبول الشعبي
أزمة “التوريث” - شرعية مهددة
مع وصول مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد، يتعزز الانطباع بأن “ولاية الفقيه” باتت خاضعة لمنطق سياسي أكثر منه فقهي.
فالانتقال من الأب إلى الابن، حتى لو تم عبر مؤسسات رسمية، يطرح إشكاليات عميقة:
هل تتحول المرجعية إلى سلطة عائلية؟
هل تتراجع معايير “الأعلمية” لصالح النفوذ السياسي؟
وهل يمكن لنظام ديني أن يحافظ على شرعيته مع تكرار هذا النمط؟
هذا التطور يعمّق الشكوك داخل الأوساط الدينية نفسها، ويعزز الفجوة بين قم والنجف.
المرجعية العابرة للحدود - معضلة إيران
أحد أبرز التحديات يتمثل في الطابع “العالمي” الذي تدّعيه ولاية الفقيه. فالنظام الإيراني يسعى لتمثيل الشيعة في مختلف الدول، لكن هذا الطموح يصطدم بمعضلة أساسية:
كيف يمكن لمرشد إيراني أن يكون مرجعاً دينياً لشيعة خارج إيران، في حين أن النظام نفسه لا يسمح لغير الإيرانيين بتولي هذا المنصب؟
هذا التناقض يعيد طرح سؤال جوهري:
هل ولاية الفقيه مشروع ديني عالمي… أم أداة سياسية إيرانية؟
ما بعد السيستاني - لحظة مفصلية
تتجه الأنظار أيضاً إلى النجف، حيث يشكل مستقبل المرجعية بعد علي السيستاني نقطة تحول محتملة.
السيناريوهات المطروحة تشمل:
بروز مرجعية تقليدية جديدة داخل النجف
أو محاولة صعود نموذج “قم” لملء الفراغ
أو حتى ظهور صيغة هجينة تجمع بين الدين والسياسة
وفي ظل سابقة “توريث” القيادة في إيران، لا يُستبعد أن تمتد الفكرة - ولو بشكل غير مباشر - إلى نقاشات المرجعية في النجف، رغم اختلاف السياق.
بين الدين والسياسة - مفترق طرق
تكشف التطورات الأخيرة أن المرجعية الشيعية تقف أمام مفترق طرق تاريخي:
إما الاستمرار في نموذج “ولاية الفقيه” حيث تتقدم السياسة على الفقه
أو العودة إلى نموذج النجف حيث تبقى المرجعية ضابطة لا حاكمة
وفي الحالتين، يبقى الثابت أن العلاقة بين الدين والسلطة في العالم الشيعي لم تعد كما كانت، وأن ما بعد خامنئي - الأب والابن - قد يرسم ملامح مرحلة جديدة بالكامل.



