انسحاب “يونيفيل” والتصعيد العسكري في جنوب لبنان
فراغ أمني محتمل بين حسابات إسرائيل وحزب الله ومخاوف الدولة
دخل الوجود الدولي في جنوب لبنان مرحلة جديدة مع بدء قوات حفظ السلام الدولية “يونيفيل” تقليص عديدها بشكل فعلي، في خطوة تُنذر بتحوّل عميق في مقاربة المجتمع الدولي للملف الحدودي بين لبنان وإسرائيل. فقد جرى سحب نحو ربع قوام القوة دفعة واحدة، على أن يستكمل الانسحاب تدريجياً حتى نهاية عام 2026، وفق القرار الدولي الذي يُعدّ التمديد الأخير لمهمتها.
هذا التطور لا يُعدّ إجراءً إدارياً فحسب، بل يفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل الاستقرار في الجنوب اللبناني، والبدائل الممكنة لمراقبة “الخط الأزرق”، وقدرة الجيش اللبناني على ملء الفراغ الأمني في حال اكتمال انسحاب القوة الدولية.
تشكيك متراكم بجدوى المهمة
خلال السنوات الماضية، واجهت “يونيفيل” انتقادات إسرائيلية متصاعدة تتهمها بالعجز عن تنفيذ جوهر تفويضها، ولا سيما منع وجود أي قوة مسلحة غير الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، كما ينص القرار الدولي 1701.
وتستند هذه الانتقادات إلى الواقع الميداني الذي شهد، بحسب الرواية الإسرائيلية، بناء حزب الله بنية عسكرية متقدمة شملت أنفاقاً ومستودعات سلاح، بعضها في محيط مواقع دولية، ما طرح تساؤلات جدية حول قدرة القوة الدولية على الرصد والمنع.
وخلال المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، اقتصر دور “يونيفيل” على التوثيق والمراقبة، من دون أن تمتلك أدوات فعلية للتأثير في مسار التصعيد، وهو ما اعتبره خصومها دليلاً إضافياً على محدودية فعاليتها.
رفض غير معلن وضغط ميداني
في المقابل، لم تخلُ علاقة “يونيفيل” مع البيئة المحلية في الجنوب من التوتر. فقد تكررت حوادث اعتراض دورياتها، وبلغ التصعيد ذروته في السنوات الأخيرة مع حوادث إطلاق نار واعتداءات مباشرة، أبرزها مقتل جندي إيرلندي عام 2022.
ويرى مراقبون أن هذه الحوادث لا تعبّر عن رفض شعبي عفوي، بل عن نمط ضغط منظّم يهدف إلى تضييق هامش حركة القوة الدولية وإضعاف قدرتها على تنفيذ تفويضها، في سياق صراع النفوذ القائم في المنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز مقاربة تقول إن حزب الله لا ينظر إلى “يونيفيل” كقوة ضامنة للاستقرار، بل كعنصر يقيّد حركته ويحدّ من قدرته على إعادة التموضع العسكري في الجنوب، في حين ترى إسرائيل في وجودها عائقاً أمام حرية عملياتها العسكرية، ومرصداً محتملاً لانتهاكاتها.
الموقف الأميركي ونهاية المهمة
على الضفة الدولية، برز موقف أميركي متقارب مع الطرح الإسرائيلي، يعتبر أن استمرار مهمة “يونيفيل” يشكّل عبئاً مالياً من دون مردود أمني ملموس. وترجم هذا التوجه بخفض التمويل الأميركي المخصص للقوة، ما مهّد الطريق لقرار مجلس الأمن بإنهاء ولايتها نهاية عام 2026.
في المقابل، أبدت دول أوروبية، ولا سيما فرنسا وإيطاليا، تحفظاً على الانسحاب السريع، محذّرة من أن إنهاء المهمة قبل تمكين الجيش اللبناني من ضبط الحدود بالكامل قد يخلق فراغاً أمنياً خطيراً تستفيد منه أطراف مسلحة.
سيناريوهات ما بعد الانسحاب
مع بدء العدّ العكسي لانسحاب “يونيفيل”، يتصاعد القلق من مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم في جنوب لبنان. فغياب القوة الدولية قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري جديد، أو إعادة فرض وقائع ميدانية بالقوة، في ظل هشاشة التوازنات القائمة.
وتتراوح الطروحات المطروحة بين الإبقاء على شكل مخفف من الحضور الأممي، أو إنشاء آلية دولية بديلة لمراقبة الهدنة، أو تحميل الجيش اللبناني كامل المسؤولية الأمنية، شرط توافر الدعم اللوجستي والسياسي والمالي اللازم.
غير أن الخلاصة التي تتقاطع عندها معظم القراءات تبقى واحدة: إن الاستقرار الحقيقي في جنوب لبنان لا يمكن أن يقوم على ترتيبات مؤقتة أو قوى فصل، بل على بسط الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة، وضبط السلاح خارج مؤسساتها، ومنع استخدام أراضيها كساحة صراع إقليمي مفتوح.
إلى أن يتحقق ذلك، يبقى الجنوب اللبناني أمام مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها نهاية مهمة دولية عمرها عقود مع واقع إقليمي متقلّب، يحمل في طياته احتمالات التصعيد بقدر ما يفتح نافذة ضيقة لإعادة صياغة قواعد الاستقرار.



