الحدود الشمالية على حافة الاشتعال.. كيف ترى إسرائيل شكل المواجهة المقبلة مع حزب الله؟
الحدود الشمالية على حافة الاشتعال.. كيف ترى إسرائيل شكل المواجهة المقبلة مع حزب الله؟
على امتداد الحدود الشمالية لإسرائيل، يتشكل مشهد أمني بالغ الهشاشة، يعيد الجبهة اللبنانية إلى دائرة التحذير والقلق. التقديرات الإسرائيلية لا تتحدث عن حرب شاملة وشيكة، لكنها تحذر من مسار تصعيد متدرج قد يبدأ بخطوات محدودة، قبل أن ينزلق إلى مواجهة أوسع إذا ما اختبر أحد الطرفين حدود الردع لدى الآخر.
هذا التوتر المتصاعد يعكس مزيجا معقدا من الحسابات العسكرية والسياسية، حيث تحاول إسرائيل فرض معادلة ردع جديدة من دون الذهاب إلى حرب مفتوحة، فيما يتمسك حزب الله بواقعه العسكري جنوب لبنان، وسط عجز لبناني واضح عن حسم الملف.
الإطار السياسي.. نزع السلاح شرط غير قابل للتفاوض
في بيان رسمي، حدد مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية السقف السياسي للتحرك العسكري، مؤكدا أن اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة أميركية ينص بوضوح على نزع سلاح حزب الله بالكامل. واعتبر البيان أن هذا البند أساسي لأمن إسرائيل ولمستقبل لبنان، في رسالة تعكس تشددا متزايدا حيال أي تسوية لا تمس جوهر قوة الحزب العسكرية.
وترى إسرائيل أن ما تقوم به الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني لا يتجاوز كونه خطوات أولية، لا ترقى إلى مستوى الالتزام المطلوب، في ظل اتهامات متكررة لحزب الله بمحاولة إعادة التسلح وترميم بنيته التحتية بدعم إيراني مباشر.
الميدان.. ضربات مركزة ومنع إعادة التموضع
على الأرض، شهد جنوب لبنان خلال أيام قليلة سلسلة عمليات عسكرية إسرائيلية مكثفة، شملت غارات جوية واستهدافات دقيقة في مناطق عدة، بينها جويا وخربة سلم وجميجمة. ووفق بيانات الجيش الإسرائيلي، أسفرت هذه العمليات عن مقتل عناصر من حزب الله، بينهم أفراد من الوحدة الجوية 127، إضافة إلى عناصر شاركت في إعادة تأهيل بنى تحتية عسكرية ومرافق لوجستية.
وتقول إسرائيل إن هذه الأنشطة تمثل خرقا واضحا للتفاهمات القائمة، ولا سيما ما يتعلق بمنع انتشار حزب الله جنوب نهر الليطاني. كما تتهم الحزب بإقامة منشآت عسكرية داخل أو قرب مناطق مدنية، معتبرة ذلك استخداما للمدنيين كغطاء لنشاط عسكري محظور.
رسائل الإخلاء.. ردع بالنار وبالتحذير
بالتوازي مع الضربات، صعّد الجيش الإسرائيلي من أدوات التحذير العلني، فأصدر أوامر إخلاء عاجلة لسكان قرى جنوبية عدة، محذرا من هجمات وشيكة على بنى عسكرية تابعة لحزب الله وحماس. هذه الرسائل حملت بعدا عملياتيا واضحا، لكنها لم تخل من رسالة سياسية مفادها أن إسرائيل لن تسمح بإعادة بناء أي قدرة عسكرية قرب حدودها.
الغطاء الأميركي.. هامش حركة مضبوط
سياسيا، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن حصول تل أبيب على ضوء أخضر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتنفيذ ضربات داخل لبنان، في حال استمرار حزب الله برفض نزع سلاحه. ويرتبط هذا الغطاء، بحسب التسريبات، بقرار الحكومة اللبنانية تفكيك سلاح التنظيمات المسلحة حتى نهاية عام 2025، وهو قرار تشكك إسرائيل في إمكانية تطبيقه فعليا.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن خططا لعملية أوسع كانت جاهزة في حال فشل الجيش اللبناني في فرض سيطرته جنوب الليطاني، مع إبلاغ واشنطن بأن استمرار الوضع القائم سيقود إسرائيل إلى التحرك بنفسها، ولو على حساب تجدد القتال.
لا حرب شاملة.. لكن لا تهدئة أيضا
رغم هذا التشدد، يؤكد محللون إسرائيليون أن تل أبيب لا تسعى في هذه المرحلة إلى حرب مفتوحة مع حزب الله. المقاربة السائدة تقوم على الضربات الدقيقة والمحدودة، باعتبارها وسيلة للحفاظ على الردع من دون تحمل كلفة مواجهة واسعة عسكريا وسياسيا.
وتلتقي هذه المقاربة مع الموقف الأميركي، الذي يمنح إسرائيل هامشا عملياتيا، لكنه لا يشجع على توسيع رقعة الصراع أو فتح جبهة شاملة قد تخرج عن السيطرة.
الموقف اللبناني.. رواية مشكوك فيها
في المقابل، تحاول بيروت تقديم صورة مختلفة، مع إعلان الجيش اللبناني استكمال تفكيك السلاح جنوب الليطاني وفرض احتكار الدولة للسلاح في تلك المنطقة. غير أن مصادر عسكرية إسرائيلية تشكك في هذه الرواية، مؤكدة أن وجود حزب الله ما زال قائما، وأن محاولات إعادة بناء القدرات العسكرية مستمرة، وإن بوتيرة أكثر حذرا.
خلاصة المشهد
الجبهة اللبنانية تقف اليوم في منطقة رمادية خطرة. لا حرب شاملة تلوح في الأفق القريب، ولا تهدئة مستقرة يمكن الركون إليها. بين تشدد إسرائيلي، وضربات عسكرية متواصلة، وعجز لبناني عن فرض السيادة، وضبط أميركي لسقف التصعيد، يبقى احتمال الانزلاق قائما. تصعيد لا يبدو أن أحدا يريده، لكنه قد يفرض نفسه إذا ما اختلت حسابات الردع أو تجاوز أحد الأطراف الخطوط غير المعلنة.



