“غزة الجديدة”: بين وعود الإعمار ومخاوف إعادة تشكيل الواقع
هل هو مشروع إنقاذ أم رؤية سياسية تعيد رسم مستقبل القطاع؟
في خضم الجدل المتصاعد حول ما سُمّي بـ“غزة الجديدة”، انشغلت منصّات التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية، خلال الأيام الماضية، بمناقشة الخطة الأميركية التي كُشف عنها في منتدى دافوس، والتي قدّمها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بوصفها تصوراً لإعادة إعمار قطاع غزة من الصفر.
الخطة، التي عُرضت عبر مجسّمات وخرائط تفصيلية، تُظهر مدناً حديثة وناطحات سحاب تمتد على طول الساحل، ومجمّعات سكنية ضخمة في رفح، إلى جانب تقسيمات مرحلية لمناطق زراعية وصناعية، يفترض أن تستوعب أكثر من مليوني فلسطيني. وقد رُبط هذا الطرح بإطلاق “مجلس السلام” الذي تتولّى واشنطن رعايته للإشراف على مرحلة “اليوم التالي” في غزة.
ترامب، الذي قدّم نفسه في دافوس بصفته “رجل عقارات”، لم يُخفِ نظرته الاستثمارية للمكان، قائلاً إن غزة “قطعة أرض مذهلة على البحر المتوسط” يمكن تحويلها إلى نموذج عمراني ناجح. أمّا كوشنر، فذهب أبعد من ذلك حين تحدّث عن إزالة عشرات ملايين الأطنان من الركام، وربط أي إعادة إعمار بنزع سلاح حماس، معتبراً أن لا “خطة بديلة” في حال تعثّر هذا المسار.
هنا بدأ الانقسام الحاد في ردود الفعل.
رأي عام منقسم
على وسائل التواصل، انقسم المتفاعلون بين من نظر إلى المشروع بوصفه فرصة لإعادة الحياة إلى قطاع دمّرته الحرب، ومن اعتبره محاولة لـ“إعادة هندسة” غزة سياسياً وديموغرافياً تحت عنوان الإعمار.
لكن الصوت الغالب جاء من داخل القطاع نفسه. كثير من الغزيين عبّروا عن رفضهم للمقاربة الأميركية، معتبرين أن الحديث عن مدن فاخرة وناطحات سحاب يتجاهل جوهر القضية: الأرض، والحقوق، والسيادة، وحق السكان في تقرير مصيرهم، لا تحويلهم إلى سكان في “مشروع استثماري” ترسمه قوى خارجية.
وسادت لغة ساخرة في بعض المنشورات، تقارن بين واقع الدمار والحصار، وبين الصور اللامعة التي عُرضت في دافوس، فيما رأى آخرون أن الخطة تشبه، في منطقها، صفقات ترامب العقارية، حيث يُختزل الجغرافيا والتاريخ في قيمة الموقع وسعر الأرض.
إعمار أم إعادة صياغة؟
الانتقادات لم تقتصر على البعد الإنساني، بل طالت البعد السياسي أيضاً. فربط الإعمار بنزع السلاح، وغياب أي تمثيل فلسطيني فعلي في بلورة الرؤية، عزّزا الشكوك بأن المشروع لا ينطلق من احتياجات المجتمع الغزي، بل من حسابات أمنية واستراتيجية أوسع، تُدار من الخارج.
كما أثار إعلان بعض الدول استعدادها للمساهمة مالياً في “غزة الجديدة” أسئلة حول طبيعة هذه الشراكة: هل هي دعم لإعادة بناء ما دمّرته الحرب، أم استثمار في صيغة حكم واقتصاد جديدين للقطاع؟
بين الأمل والريبة
في المحصلة، لم تعد “غزة الجديدة” مجرّد تصور عمراني، بل تحوّلت إلى عنوان لنقاش أعمق حول مستقبل القطاع:
هل الإعمار يمكن أن يتم بمعزل عن الحلّ السياسي؟
وهل يمكن فصل إعادة بناء الحجر عن سؤال السيادة والتمثيل والقرار؟
وأين يقف أهل غزة أنفسهم من رؤية تُصاغ في العواصم وتُعرض في المنتديات الدولية؟
بين من يرى في المشروع نافذة أمل بعد سنوات من الدمار، ومن يخشى أن يكون غطاءً لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وفق معادلات القوة، تبقى “غزة الجديدة” فكرة معلّقة بين وعد بالنهضة، ومخاوف من أن تتحوّل إلى فصل جديد من فصول فرض الحلول من الخارج.



