لماذا صعّد تنظيم داعش عملياته في سوريا؟
مزيج من الفراغ الأمني، هشاشة الانتقال السياسي، وشبكات سرّية أعادت للتنظيم القدرة على الضرب في أكثر من ساحة.
موجة عمليات متزامنة
خلال أيام قليلة، شهدت سوريا تصعيداً لافتاً في نشاط تنظيم داعش، تمثّل بسلسلة هجمات وعمليات أمنية متبادلة. فقد أعلنت السلطات السورية تنفيذ مداهمات في دمشق، إدلب، حلب والبادية السورية، أسفرت عن تفكيك خلايا مرتبطة بالتنظيم وضبط أسلحة وأحزمة ناسفة وطائرات مسيّرة انتحارية.
وتزامن ذلك مع هجمات دامية، أبرزها استهداف دوريات أمنية في إدلب، والهجوم قرب تدمر الذي أدى إلى مقتل جنديين أميركيين ومترجم أميركي، ما أعاد ملف “داعش” إلى واجهة المشهد الأمني السوري.
رد أميركي وتحركات إقليمية
في المقابل، نفذت القوات الأميركية عمليتين نوعيتين ضد التنظيم، إحداهما قرب الحدود السورية–العراقية بمشاركة قوات عراقية وسورية، والأخرى في محيط مدينة الرقة، وأسفرتا عن اعتقال قياديين ومقتل أحد قادة التنظيم، بحسب مصادر أمنية وحقوقية.
وبحسب معلومات نقلتها جهات عراقية، جرى تنفيذ إنزال جوي منسق بدعم التحالف الدولي، في مؤشر على استمرار التعاون الأمني العابر للحدود في مواجهة التنظيم.
قدرة كامنة رغم الضربات
تقديرات دولية حديثة تشير إلى أن “داعش” لم يفقد قدرته التنظيمية بالكامل. فوفق تقرير لفريق تابع لمجلس الأمن الدولي، لا يزال التنظيم يحتفظ بنحو ثلاثة آلاف مقاتل موزعين بين سوريا والعراق، بينهم مئات العناصر النشطة في شمال وشرق سوريا، حيث يتركز نشاطهم ضد قوات سوريا الديمقراطية.
ويضاف إلى ذلك ملف المعتقلين، إذ لا يزال آلاف من عناصر التنظيم محتجزين في السجون، إلى جانب وجود النساء والأطفال المرتبطين به في مخيم الهول، ما يشكّل خزّاناً بشرياً قابلاً لإعادة الإنتاج الأيديولوجي والتنظيمي.
البادية.. الملاذ الدائم
جغرافياً، تبقى بادية سوريا القلب النابض لنشاط التنظيم. فرغم الضربات الجوية والعمليات الأمنية، نجح “داعش” في إعادة تنظيم خلاياه في هذه المساحات الواسعة قليلة السيطرة، مستفيداً من التضاريس المعقدة وشبكات التهريب.
ومن هذه المناطق، وسّع التنظيم نشاطه السري إلى أطراف دمشق، وريفَي حلب وحمص، إضافة إلى الجنوب السوري، حيث يعتمد على خلايا صغيرة متنقلة، تمويل محلي، وابتزاز مجتمعات مهمّشة.
فراغ السلطة بعد سقوط الأسد
يرى باحثون أن سقوط نظام بشار الأسد أوجد مرحلة انتقالية مثقلة بالفراغات. انشغال دمشق بترسيخ سلطتها في المناطق الأكثر كثافة سكانية غرب البلاد، أتاح للتنظيم هامش حركة أوسع في الشرق والبادية.
وكما في تجارب سابقة، يستفيد “داعش” من أي منطقة ضعيفة الحكم أو متنازع عليها، محاولاً استقطاب مقاتلين ساخطين، بينهم عناصر سابقة في النظام أو مقاتلون أجانب.
تحديات الحكومة الجديدة
رغم تكثيف العمليات الأمنية، يرى مراقبون أن قدرة الحكومة السورية الجديدة على مواجهة التنظيم ما زالت محدودة. فعملية دمج واسعة لعناصر مسلحة ضمن أجهزة الأمن جرت، في كثير من الحالات، من دون تدقيق كافٍ في الخلفيات الفكرية، ما خلق ثغرات استغلها التنظيم.
كما أسهمت التوترات الطائفية والانقسامات الاجتماعية في توفير بيئة خصبة لخطاب “داعش”، الذي يتغذى تاريخياً على الإحباط، والخوف، وانعدام الثقة بالدولة.
هل الاحتواء ممكن؟
تؤكد القيادة العسكرية الأميركية أن عشرات العمليات نُفذت خلال الأشهر الماضية، أدت إلى اعتقال ومقتل عشرات من عناصر التنظيم، وتعطيل مخططاته العابرة للحدود. غير أن هذه النجاحات، وفق خبراء، تبقى تكتيكية ما لم تُرفق بمعالجة سياسية وأمنية أعمق.
فالحد من عودة “داعش” لا يتوقف فقط على الضربات العسكرية، بل على قدرة الدولة السورية على بناء أجهزة أمنية متماسكة، وضبط السلاح، واحتواء الانقسامات المجتمعية، في ظل دعم إقليمي ودولي مستدام.



