مقتل لاريجاني يضرب “عقل النظام”
غياب مهندس القرار الاستراتيجي يعمّق ارتباك القيادة الإيرانية في زمن الحرب
في لحظة حرجة من تاريخ الجمهورية الإسلامية، جاء مقتل علي لاريجاني ليضيف ضربة نوعية إلى بنية النظام الإيراني، ليس بوصفه قائداً عسكرياً، بل باعتباره أحد أبرز مهندسي القرار الاستراتيجي في الدولة.
فغيابه لا يعني فقط خسارة شخصية نافذة، بل يكشف عن خلل متزايد في مركز صناعة القرار، في وقت تواجه فيه إيران حرباً خارجية وضغوطاً داخلية غير مسبوقة.
رجل “العقل البارد” في زمن الأزمات
لم يكن علي لاريجاني من صقور المواجهة العسكرية، لكنه كان يمثل حلقة الوصل بين:
المؤسسة السياسية
الأجهزة الأمنية
المسار الدبلوماسي
وبصفته أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، لعب دوراً محورياً في إدارة الملفات الأكثر حساسية، من الحرب إلى البرنامج النووي والعلاقات الدولية.
تميّز لاريجاني بنهج براغماتي، يجمع بين:
الولاء الأيديولوجي للنظام
والتفكير الاستراتيجي المحسوب
ما جعله أحد أبرز “عقول النظام” خلف الكواليس.
ثلاث أزمات… بلا إدارة واضحة
عند لحظة اغتياله، كان لاريجاني يدير ثلاث جبهات معقدة:
أولاً - الحرب
تبنّى رؤية تقوم على إطالة أمد الصراع وتوسيع نطاقه، بما يشمل أوراق ضغط مثل مضيق هرمز.
ثانياً - الداخل الإيراني
موجة احتجاجات متصاعدة، تحولت من مطالب اقتصادية إلى تحدٍ سياسي مباشر للنظام.
ثالثاً - الملف النووي
مفاوضات متعثرة وضربات عسكرية أربكت البرنامج النووي.
برحيله، تُترك هذه الملفات في حالة فراغ قيادي، في وقت تحتاج فيه إلى إدارة دقيقة ومتزامنة.
استهداف ممنهج للقيادة
مقتل لاريجاني لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة تصفية عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين.
هذا النمط يشير إلى استراتيجية تستهدف:
تفكيك “مراكز القرار” بدلاً من مواجهة النظام ككتلة واحدة.
والنتيجة:
فقدان الخبرة التراكمية
ضعف التنسيق بين المؤسسات
تسارع اتخاذ القرار دون توازن
صعود العسكر… على حساب السياسة
في ظل هذا الفراغ، تتجه الكفة داخل النظام نحو المؤسسة العسكرية، خصوصاً الحرس الثوري.
المؤشرات الحالية توحي بـ:
دور أكبر للقادة العسكريين في اتخاذ القرار
تراجع تأثير النخب السياسية التقليدية
اعتماد نهج أكثر تشدداً في إدارة الحرب
هذا التحول قد يسرّع القرارات، لكنه يحمل مخاطر:
تغليب الحلول العسكرية على الحسابات السياسية.
أزمة خلافة وتراجع في الظهور
تتزامن هذه التطورات مع غموض يحيط بقيادة النظام:
غياب واضح لبعض الشخصيات العليا
تأخر في إعلان قرارات مفصلية
محدودية ظهور المرشد الجديد
ما يطرح احتمالين:
إما دوافع أمنية… أو ارتباك داخلي فعلي.
إلى أين يتجه النظام؟
في المدى القريب، يرجح أن تتجه إيران نحو:
تصعيد عسكري أكبر
تشديد القبضة الأمنية داخلياً
أما على المدى الأبعد، فإن استمرار فقدان القيادات قد يؤدي إلى:
إضعاف قدرة النظام على إدارة الأزمات
تراجع فعالية مؤسسات الدولة
زيادة احتمالات عدم الاستقرار
الخلاصة
مقتل علي لاريجاني ليس مجرد خسارة شخصية، بل مؤشر على مرحلة جديدة من الضعف البنيوي داخل النظام الإيراني.
مرحلة قد تتحول فيها إيران من نظام مركزي متماسك…
إلى منظومة تعاني من فراغ القيادة وتضارب القرار.
وفي زمن الحرب، قد يكون هذا النوع من الأزمات… أخطر من أي ضربة عسكرية.



