خلايا إيران في الخليج… من “الكمون” إلى التحرك
توقيت التفكيك يكشف تحوّل الشبكات من الظل إلى أدوات ضغط في زمن الحرب
في توقيت لافت، أعلنت عدة دول خليجية، بينها الإمارات والكويت والبحرين وقطر، عن تفكيك خلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله، في سلسلة إجراءات متقاربة زمنياً تعكس، وفق مراقبين، تحوّلاً في طبيعة المواجهة الأمنية داخل المنطقة، بالتوازي مع الحرب الدائرة.
هذه الإعلانات، وإن لم تكن سابقة من حيث المبدأ، إلا أن تزامنها في ظل التصعيد الإقليمي منحها دلالة مختلفة، إذ بدت أقرب إلى جزء من مشهد أوسع، يتداخل فيه الأمن الداخلي مع التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وبحسب ما أعلنته السلطات، تنوعت أنشطة هذه الخلايا بين التجسس وجمع المعلومات الحساسة، وصولاً إلى التخطيط لعمليات إرهابية وغسل الأموال. ففي قطر، تم توقيف خليتين واعتقال عدد من الأشخاص المرتبطين بالحرس الثوري، بينما أعلنت البحرين ضبط شبكة كانت تنشط في مراقبة مواقع حيوية. أما الكويت، فكشفت عن خلايا مرتبطة بحزب الله، متورطة في مخططات تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي.
ورغم أن وجود مثل هذه الشبكات ليس جديداً في دول الخليج، فإن توقيت الكشف عنها يثير تساؤلات. فالتفكيك جاء في لحظة تشهد فيها المنطقة تصعيداً عسكرياً واسعاً، ما دفع بعض المحللين إلى الربط بين التحركات الأمنية الداخلية والرد على التهديدات الخارجية، باعتبار أن المواجهة لم تعد تقتصر على الجبهات التقليدية، بل تمتد إلى شبكات تعمل داخل الدول.
في هذا السياق، يشير مراقبون إلى أن الإعلان المتزامن يعكس مستوى متقدماً من التنسيق الأمني بين دول الخليج، سواء في تبادل المعلومات أو في متابعة نشاط هذه الشبكات. كما أن التحقيقات مع الموقوفين قد تفتح المجال أمام كشف شبكات أوسع، ما يعزز من قدرة هذه الدول على التعامل الاستباقي مع التهديدات.
وفي قطر تحديداً، أثار الكشف عن الخلايا مفاجأة نسبية، خاصة في ظل العلاقات التي شهدت تقارباً بين الدوحة وطهران خلال السنوات الماضية. هذا التطور طرح تساؤلات حول طبيعة هذه الشبكات، وكيف تمكنت من العمل في بيئة لم تكن تُعتبر تقليدياً ساحة توتر مباشر مع إيران.
أما في البحرين، فإن الحديث عن “خلايا نائمة” ليس جديداً، إذ تعود الاتهامات بوجود شبكات مرتبطة بإيران إلى عقود سابقة. غير أن ما تغيّر اليوم هو طبيعة هذه الخلايا، التي لم تعد، وفق بعض التقديرات، مجرد شبكات خاملة، بل باتت تتحرك بشكل أكثر نشاطاً، مستفيدة من ظروف الحرب.
هذا التحول يسلط الضوء على مفهوم “الخلايا النائمة”، التي تعمل لفترات طويلة تحت غطاء مدني أو تجاري، قبل أن يتم تفعيلها عند الحاجة. ومع التصعيد الحالي، تشير بعض المؤشرات إلى انتقال هذه الخلايا من مرحلة الكمون إلى مراحل أكثر تقدماً، تشمل التخطيط وتحديد الأهداف.
في المقابل، تؤكد دول الخليج أنها لم تعد تتعامل مع هذه الشبكات كحالات استثنائية، بل كجزء من تهديد مستمر يتطلب مراقبة طويلة الأمد. وقد ساهم تراكم الخبرة الأمنية في فهم آليات عمل هذه الخلايا، سواء من حيث طرق التجنيد أو التمويل أو أساليب التخفي، ما انعكس في القدرة على كشفها قبل تنفيذ عملياتها.
كما أن التحول اللافت لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يمتد إلى طريقة التعامل مع هذه الملفات إعلامياً وسياسياً. فبعد سنوات من المعالجة الهادئة، باتت الدول تعلن بشكل صريح عن ارتباط هذه الشبكات بإيران وحزب الله، في إطار سياسة ردع تهدف إلى رفع كلفة هذا النوع من النشاط.
في المحصلة، لا تبدو هذه التطورات مجرد سلسلة عمليات أمنية منفصلة، بل جزء من مشهد إقليمي يتغير بسرعة. فمع اتساع رقعة الصراع، تتحول المواجهة من حدود الدول إلى داخلها، حيث تصبح “الخلايا النائمة” أحد أبرز أدوات الصراع غير المباشر.
وبينما تواصل دول الخليج تعزيز إجراءاتها الوقائية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام مرحلة جديدة تتحول فيها هذه الشبكات إلى عنصر ثابت في معادلة الأمن الإقليمي؟



