ستار القمع الإيراني… حين تتحوّل الدولة إلى سجن كبير
من طهران إلى الإقليم: كيف تُدار المعركة الأمنية والإعلامية خلف جدار الصمت؟
في إيران، لم يعد القمع مجرد أداة طوارئ تستخدمها السلطة عند الأزمات، بل تحوّل إلى بنية حكم كاملة، تقوم على العزل، والتخويف، والسيطرة على المعلومة، وإغلاق المجال العام سياسياً وإعلامياً واجتماعياً.
الحملة الأمنية التي واجهت موجة الاحتجاجات الأخيرة كشفت بوضوح طبيعة “الدولة المحاصِرة لشعبها”. فإلى جانب استخدام القوة المفرطة، لجأت السلطات إلى بناء ستار حديدي إعلامي: قطع للاتصالات، تقييد للصحافة، ملاحقة للناشطين، ومحاكمات سريعة بتهم “الأمن القومي” و”الإفساد في الأرض”.
ورغم هذا الطوق، خرجت شهادات من الداخل تتحدث عن أعداد كبيرة من الضحايا، وعن اعتقالات جماعية، وعن ممارسات تهدف إلى كسر أي قدرة على التنظيم أو الاستمرار في الاحتجاج. ما يجري ليس فقط ضبطاً للأمن، بل إعادة هندسة للخوف في المجتمع.
سياسة خارجية بقبضة أمنية
النهج ذاته ينعكس خارج الحدود. فطهران التي تشدد قبضتها في الداخل، تسعى في الوقت نفسه إلى إدارة نفوذها الإقليمي بمنطق “الردع عبر الوكلاء”، من العراق إلى سوريا ولبنان وغزة. وتُظهر التطورات الأخيرة أن القيادة الإيرانية تعتبر أي تراجع في ساحات النفوذ الخارجية تهديداً مباشراً لاستقرارها الداخلي.
من هنا، يتقاطع القمع في الشارع الإيراني مع تشدد في الملفات الإقليمية، في محاولة لربط الأمن الداخلي بمعادلات القوة الخارجية، ولإيصال رسالة مزدوجة: لا تساهل في الداخل، ولا تنازل في الإقليم.
أميركا ترسم الخطوط… وإيران تختبرها
في المقابل، تعيد واشنطن رسم حدود الاشتباك مع طهران، سواء عبر العقوبات، أو عبر إدارة ملفات سوريا وغزة ولبنان بمنطق “الاحتواء الصارم”. هذا التوازي بين الضغط الخارجي والاضطراب الداخلي يضع النظام الإيراني في معادلة معقدة: كيف يحافظ على تماسكه الداخلي وهو محاصر اقتصادياً، ومراقَب سياسياً، ومهدَّد استراتيجياً؟
ستار من الحديد… لا من الإسمنت
الستار الذي تقيمه إيران اليوم ليس جداراً مادياً، بل منظومة خوف، ورقابة، وعزل، تشبه إلى حد بعيد “الستار الحديدي” في زمن الحرب الباردة، لكن بنسخة رقمية وأمنية حديثة. جدار يحاول فصل المجتمع عن العالم، وفصل الحقيقة عن التداول، وفصل السياسة عن الشارع.
غير أن التجارب التاريخية تُظهر أن الجدران التي تُبنى بالخوف، مهما اشتدّت، تظل هشّة أمام تراكم الغضب، وتآكل الشرعية، وتغيّر موازين القوى في الداخل والإقليم معاً.



