رئاسة بلا سلاح: هل يستعيد قصر بعبدا قراره في ظل اختبار حزب الله؟
من “الطائف” إلى ما بعد الحرب الأخيرة - صراع الصلاحيات والسيادة في لحظة مفصلية للبنان
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يقف لبنان أمام استحقاق سيادي يلامس جوهر نظامه السياسي ودوره الإقليمي: حصرية السلاح بيد الدولة، وموقع رئاسة الجمهورية في معادلة القرار. فمع تصاعد الضغوط الدولية، وعودة شبح الحرب على الحدود الجنوبية، خرج رئيس الجمهورية جوزاف عون بموقف غير مسبوق في حدته، معلناً أن “الدولة وحدها مخوّلة حماية لبنان”، في إشارة مباشرة إلى سلاح حزب الله الذي تحوّل، وفق توصيفه، من عامل “حماية” إلى عبء يهدد الاستقرار الوطني.
من رئاسة قوية إلى موقع مقيّد
قبل اتفاق الطائف عام 1989، كانت رئاسة الجمهورية مركز الثقل في النظام السياسي اللبناني. الرئيس كان يمسك بمفاصل القرار التنفيذي والعسكري والدبلوماسي، ويتمتع بصلاحيات واسعة جعلت من بعبدا مرجعية السلطة الأولى. لكن الطائف أعاد توزيع الصلاحيات، فنُقلت السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وتحوّل دور الرئيس من صاحب قرار إلى “ضابط إيقاع” دستوري ضمن توازنات طائفية دقيقة.
غير أن هذا التراجع الدستوري، وفق قراءات سياسية وقانونية، لم يكن العامل الوحيد في إضعاف الرئاسة. فاختلال ميزان القوة الناتج عن وجود سلاح خارج إطار الدولة، وخصوصاً سلاح حزب الله، أعاد رسم خريطة النفوذ داخل المؤسسات، ومنح مراكز أخرى - لا سيما رئاسة مجلس النواب وحلفاء الحزب - قدرة تعطيل وتوجيه تجاوزت الحدود الدستورية.
القرار بين بعبدا والضاحية
مع الوقت، لم يعد القرار السيادي يُصاغ حصراً في القصر الجمهوري أو في مجلس الوزراء، بل بات خاضعاً لميزان قوة فرضته معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، ثم لتركيبة سياسية مكّنت حزب الله من امتلاك “فيتو” عملي على الحكومات والرئاسات المتعاقبة. ففترات الشغور الرئاسي الطويلة، والثلث المعطل في الحكومات، وتعطيل المؤسسات في محطات مفصلية - من المحكمة الدولية إلى تحقيق انفجار المرفأ - شكّلت جميعها مؤشرات على انتقال مركز الثقل من الدولة إلى منظومة سياسية-عسكرية موازية.
الجيش بين الشرعية والقيود
رغم أن الدستور ينص على أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، فإن وجود سلاح غير شرعي حرم الجيش من ممارسة سيادته الكاملة على الأرض. القرارات الدولية، ولا سيما 1559 و1701، دعت بوضوح إلى نزع سلاح الميليشيات وحصر القوة بيد الدولة، لكن التطبيق بقي رهينة التوازنات الداخلية والإقليمية.
اليوم، ومع بدء انتشار الجيش جنوب الليطاني في إطار اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، تبرز محاولة جدية لإعادة الاعتبار لدور المؤسسة العسكرية، بوصفها الركيزة الوحيدة للسيادة. غير أن التحدي الأكبر يبقى في شمال الليطاني وسائر المناطق، حيث يرفض حزب الله حتى الآن أي مسار عملي لنزع سلاحه.
خطاب رئاسي بلغة مختلفة
موقف الرئيس جوزاف عون الأخير شكّل نقطة تحوّل في لهجة بعبدا. للمرة الأولى، يُسمّى السلاح غير الشرعي بوصفه مشكلة وطنية تمسّ الدولة ووحدة قرارها، لا مجرد ملف خلافي يُدار بالحوار المفتوح إلى ما لا نهاية. هذا الخطاب، الذي يستند إلى اتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري، يهدف إلى إعادة الرئاسة إلى قلب المعادلة السيادية، ومنحها دوراً قيادياً في معركة استعادة القرار الوطني.
فرصة أم مواجهة؟
الظرف الإقليمي والدولي يضغط باتجاه حسم ملف السلاح. فإسرائيل تلوّح بالحرب، والولايات المتحدة تربط الدعم والاستقرار بتنفيذ القرارات الدولية، فيما يعيش المحور الإيراني مرحلة ارتباك عميق. في هذا السياق، يرى مراقبون أن لبنان أمام فرصة نادرة لإعادة تثبيت مبدأ الدولة الواحدة والسلاح الواحد.
لكن الطريق محفوف بالتحديات: انقسام داخلي، حسابات طائفية، توازنات إقليمية، وواقع اقتصادي منهك. وبين لهجة رئاسية حازمة، وممانعة سياسية-عسكرية ترفض التخلي عن “فائض القوة”، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح رئاسة الجمهورية في استعادة دورها التاريخي كحَكَم ومرجعية سيادية، أم يبقى ميزان القوة هو الحَكَم الفعلي في رسم حدود الدولة؟



