اتفاق دمشق وقسد - هدنة هشة على حافة التعثر
قضايا معلّقة تهدد مسار الدمج وتختبر قدرة السلطة السورية على تثبيت الاستقرار
المشهد العام
يضع اتفاق وقف إطلاق النار المدعوم أميركيا في شمال شرق سوريا البلاد أمام اختبار سياسي وأمني دقيق، إذ يسعى الطرفان إلى تثبيت التهدئة رغم بقاء ملفات جوهرية بلا حسم. فبينما تحاول الدولة السورية استعادة السيطرة الكاملة بعد سنوات الحرب، تتمسك قوات سوريا الديمقراطية قوات سوريا الديمقراطية بهامش من النفوذ الذاتي، رغم تراجع قدراتها العسكرية إثر تقدم القوات الحكومية.
تحول ميداني كبير
يُعدّ التطور الأخير أكبر تغيير في خريطة السيطرة منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024. فقد استعادت دمشق مساحات واسعة من الأراضي التي كانت خاضعة للإدارة الكردية قبل أن توافق على خطة تقضي بدمج ما تبقى من مناطقها ضمن الدولة. وقد بدأت المرحلة الأولى من الاتفاق بسلاسة نسبية عبر انتشار وحدات حكومية محدودة في مدن رئيسية وانسحاب مقاتلين من خطوط التماس، إضافة إلى تعيين محافظ بترشيح كردي.
عقدة الملفات المؤجلة
رغم هذا التقدم، لا تزال القضايا الأساسية دون حل، وعلى رأسها مصير الأسلحة الثقيلة لقسد، وآلية دمج مقاتليها في الجيش، وترتيبات إدارة المعابر الحدودية الحيوية مع العراق. ويرى محللون أن هذه الملفات تمثل جوهر الاتفاق الحقيقي، وأن أي تعثر فيها قد يعيد التوتر سريعا.
موقف واشنطن
تراقب الولايات المتحدة مسار التنفيذ بإيجابية حذرة، إذ شجعت القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع على إبداء مرونة تجاه المطالب الكردية. وأشار المبعوث الأميركي توم براك إلى أن الاتفاق يمكن أن يشكل أساسا لسلام طويل الأمد إذا استمر تطبيقه دون تشدد من أي طرف.
خطة الدمج العسكري
ينص الاتفاق على تشكيل فرقة عسكرية للشمال الشرقي تضم مقاتلي قسد ضمن ثلاثة ألوية، مع نشر مركبات أمنية حكومية في مدينتي القامشلي والحسكة وبدء دمج الأجهزة الأمنية التابعة للإدارة الكردية. وقد نُفذت عمليات الانتشار الأولية دون صدامات، في مؤشر إيجابي مقارنة بمحاولات سابقة انتهت بعنف.
توترات تحت السطح
رغم الهدوء الظاهر، تتصاعد خلافات ميدانية. فقد اتهمت قسد القوات الحكومية بمحاصرة مدينة عين العرب، بينما عبّر سكان عرب في مناطق الإدارة الذاتية عن استيائهم من استمرار السيطرة الكردية. كما لا يزال الخلاف قائما حول مواقع تمركز الألوية الثلاثة، خصوصا في المناطق الاستراتيجية القريبة من الحسكة.
صراع النفوذ الأمني
يقترح قائد قسد مظلوم عبدي تمركز قواته في مواقع حدودية رئيسية، لكن دمشق تعترض على بعضها، خصوصا المواقع المشرفة على طرق استراتيجية أو شبكات أنفاق عسكرية. ويرى مسؤولون سوريون أن تنازلات قسد حتى الآن لا تزال رمزية ولم تصل إلى مستوى الالتزامات المتفق عليها.
العامل الإقليمي
تتابع تركيا التطورات بحذر، إذ تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية العمود الفقري لقسد امتدادا لحزب العمال الكردستاني حزب العمال الكردستاني. وأكد وزير الخارجية هاكان فيدان أن تحسن الوضع الأمني لن يكون كاملا ما لم تنقطع صلات هذه الوحدات بالتنظيم.
خلاصة المشهد
الاتفاق الحالي ليس تسوية نهائية بل مرحلة انتقالية مليئة بالألغام السياسية والعسكرية. نجاحه يعتمد على قدرة الأطراف على إدارة الخلافات المؤجلة دون تحويلها إلى صدامات جديدة. وبين التفاؤل الحذر والمخاوف المتزايدة، يبقى شمال شرق سوريا ساحة اختبار حقيقية لمستقبل الدولة بعد الحرب.



