لبنان وسوريا يبحثان عن مفاتيح زنزانات رومية
أكثر من ألفي سجين سوري بين التعقيد القانوني وحسابات السياسة
سجناء ينتظرون ما بعد الأسد
بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، لا يزال أكثر من ألفي سجين سوري محتجزين في السجون اللبنانية، في مقدّمها سجن رومية، يعيشون حالة ترقّب ثقيلة بانتظار مصير لم يُحسم.
بين هؤلاء موقوفون على خلفيات سياسية أو بسبب مشاركتهم في الثورة السورية، يواجهون ظروفاً إنسانية صعبة، وسط ضغط متزايد من عائلاتهم للإفراج عنهم أو تسريع البتّ بأوضاعهم القانونية.
حراك سياسي بلا نتائج
أعلنت الحكومة اللبنانية أن رئيس الجمهورية جوزاف عون وجّه العمل على صيغة قانونية تتيح إبرام اتفاق مع سوريا لمعالجة هذا الملف. وأكد نائب رئيس الحكومة طارق متري أن الهدف هو “تعزيز الثقة وبناء أفضل العلاقات مع دمشق”، مع توفير سند قانوني واضح.
لكن هذا الحراك لم يثمر حتى الآن. فقد فشلت زيارة وفد قضائي لبناني إلى دمشق في ديسمبر الماضي في التوصل إلى اتفاق، بسبب تباين جوهري في مقاربة الطرفين لبنود التسليم.
خلاف على من يُسلَّم ومن يُستثنى
بحسب متابعين للملف، يرفض لبنان تسليم من ارتكبوا جرائم خطيرة على أراضيه، بينما تصرّ دمشق على استلام جميع الموقوفين، مع رفض أي شروط تتعلق بعدم منحهم عفواً فورياً، معتبرة ذلك انتقاصاً من سيادتها.
وتشير المعطيات إلى أن مسودة الاتفاقية الأولى، التي سُلّمت لسوريا في أكتوبر، لم تلقَ قبولاً، فيما تنتظر بيروت اقتراحات سورية لتعديل مشروع اتفاق ثانٍ يُفترض أن يُقرّ في مجلس الوزراء فقط.
بين جنائيين ومعتقلي رأي
داخل رومية، تتداخل الحالات بشكل معقّد. فهناك محكومون بجرائم جنائية خطيرة، وآخرون موقوفون أو محكومون على خلفيات سياسية وأمنية، من بينها الانتماء إلى فصائل معارضة للنظام السوري السابق.
المفارقة أن كثيرين من هؤلاء كانوا يرفضون التسليم إلى دمشق قبل سقوط الأسد، خوفاً من مصير مجهول، بينما باتوا اليوم يرون فيه باباً محتملاً للحرية.
عقدة القانون اللبناني
العائق الأساسي أمام الحل يبقى قانونياً. فالقانون اللبناني لا يسمح بتسليم محكومين صدرت بحقهم أحكام نهائية، إلا ضمن اتفاق يضمن تنفيذ العقوبة المتبقية، مع مراعاة الحقوق الشخصية للضحايا.
أما الموقوفون قيد المحاكمة، فلا يمكن تسليمهم إلا إذا كان الجرم قد ارتُكب كلياً أو جزئياً على الأراضي السورية، وهو شرط لا ينطبق على عدد كبير من الحالات.
البعد الحقوقي في الهامش
سبق لمنظمات حقوقية أن حذّرت من أوضاع السجناء السوريين في لبنان، مشيرة إلى طول فترات التوقيف الاحتياطي، وبطء المحاكمات، وسوء المعاملة، إضافة إلى الإهمال الصحي.
ويرى حقوقيون أن الملف يُدار اليوم باعتبارات سياسية وأمنية أكثر منه قضية إنسانية، مع تهميش واضح لضمانات المحاكمة العادلة والبعد الحقوقي.
سياسة تتقدّم على العدالة
يعتقد مؤيدو تسليم السجناء أن القانون يُستخدم ذريعة لتأجيل الحل، مستندين إلى سوابق جرى فيها تجاوز النصوص القانونية في تسويات سياسية–أمنية سابقة.
في المقابل، يرى آخرون أن الانقسام السياسي الحاد داخل لبنان، وتداخل دور حزب الله في بعض القضايا، يزيد من تعقيد الملف ويجعل حسمه مؤجلاً.
ملف مفتوح على أزمة أكبر
رغم تأكيد الحكومة اللبنانية عدم اعتماد سياسة المماطلة، فإن استمرار التعثر ينذر بتوتر إضافي في العلاقات اللبنانية–السورية، ويزيد الضغط الشعبي والحقوقي داخل البلدين.
ومع غياب حل واضح، يبقى ملف السجناء السوريين أحد أكثر الملفات حساسية، حيث تتقاطع فيه السيادة والقانون والسياسة، فيما يبقى البعد الإنساني الحلقة الأضعف.



