مصير الأكراد في سوريا بعد عودة الدولة المركزية
تراجع قسد، تبدّل الموقف الأميركي، واختبار صعب بين الاندماج أو خسارة النفوذ
بعد نحو أربعة عشر شهرا على سقوط نظام بشار الأسد، تشهد خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا تحولا عميقا مع تقدّم القوات الحكومية واستعادتها مساحات واسعة كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية. هذا التحوّل لا يعكس فقط ترسيخ حكم الرئيس أحمد الشرع، بل يفتح أيضا فصلا جديدا في علاقة الأكراد بالدولة المركزية، وفي موقعهم ضمن التوازنات الإقليمية والدولية.
عودة الجيش إلى الشرق
بعد أشهر من التوتر والاشتباكات المحدودة، انتقلت المواجهة بين دمشق و”قسد” إلى مرحلة حاسمة، مع مطالبة الحكومة بدمج القوات الكردية بالكامل في مؤسسات الجيش والأمن، وإنهاء نموذج الإدارات الذاتية. رفضت “قسد” هذا المسار في البداية، متمسكة بهامش من الحكم الذاتي، ومعبّرة عن مخاوف من هيمنة سلطة مركزية يقودها تيار إسلامي.
غير أن التطورات الميدانية قلبت المعادلة. فقد تقدّم الجيش في الرقة ودير الزور وأجزاء واسعة من الحسكة، وسيطر على مناطق استراتيجية تضم حقولا نفطية وسدا كهرومائيا ومراكز احتجاز لعناصر تنظيم الدولة. ومع هذا التقدّم، تراجعت القوات الكردية إلى جيوب ذات غالبية سكانية كردية، في مقدمتها الحسكة والقامشلي.
هدنة هشة ومهلة قصيرة
الاتفاق على وقف إطلاق النار في العشرين من يناير منح “قسد” مهلة أربعة أيام لبلورة خطة دمج في مؤسسات الدولة. وبموجب التفاهمات الأولية، امتنعت القوات الحكومية عن دخول الحسكة والقامشلي، لكن التوتر بقي قائما، في ظل غموض حول الصيغة النهائية للإدارة والأمن ومستقبل الهياكل العسكرية الكردية.
الجوهر، كما يرى باحثون، لا يقتصر على ترتيبات أمنية، بل يتصل بسؤال أعمق: هل ستُدار هذه المناطق بنموذج مركزي صارم أم بصيغة لامركزية تمنح الأكراد دورا سياسيا وإداريا واضحا داخل الدولة الموحدة؟
تبدّل الموقف الأميركي
رغم أن “قسد” كانت الحليف الأبرز لواشنطن في الحرب ضد تنظيم الدولة، فإن الولايات المتحدة لم تتبنّ يوما مشروع الحكم الذاتي الواسع في الشمال الشرقي. ومع تغيّر المشهد في دمشق وصعود أحمد الشرع، بدا أن الأولوية الأميركية انتقلت من دعم الشريك الكردي إلى تثبيت الدولة السورية الجديدة ضمن توازنات إقليمية أوسع.
تصريحات المبعوث الأميركي توم براك عكست هذا التحوّل بوضوح، حين اعتبر أن المهمة الأصلية لـ”قسد” انتهت إلى حد كبير، وأن اندماجها في الدولة المركزية مع ضمان الحقوق الثقافية والسياسية يشكّل “الفرصة الأفضل” للأكراد. كما شدد الرئيس دونالد ترامب على دعمه للشرع، مع التأكيد في الوقت نفسه على السعي إلى حماية الأكراد، في صيغة توحي بمحاولة الجمع بين الاستقرار ووحدة الدولة.
العامل التركي
الملف الكردي في سوريا لا ينفصل عن حسابات أنقرة. فتركيا التي ترى في وحدات حماية الشعب امتدادا لحزب العمال الكردستاني، تراقب بقلق أي سيناريو يمنح الأكراد هامشا سياسيا أو عسكريا مستقلا. وفي الوقت الذي أطلقت فيه أنقرة مسارا جديدا للتسوية مع حزب العمال داخل أراضيها، شدد الرئيس رجب طيب أردوغان على أن القوات الكردية في سوريا مطالبة بإلقاء السلاح وحلّ نفسها لتجنب مزيد من الدماء.
أي تصعيد في الشمال السوري قد يتجاوز حدوده الجغرافية، نظرا لتداخل المسألة الكردية بين سوريا وتركيا والعراق وإيران، وإمكان تحوّلها إلى قضية تعبئة عابرة للحدود.
بين الاندماج والمجهول
تقف القوى الكردية اليوم أمام مفترق طرق. خيار الاندماج في الدولة السورية الجديدة قد يضمن لها اعترافا بالهوية وحقوقا ثقافية وتمثيلا سياسيا، لكنه يعني أيضا نهاية التجربة العسكرية المستقلة التي نشأت خلال الحرب. في المقابل، فإن رفض هذا المسار أو المراهنة على توازنات خارجية لم تعد مضمونة، يفتح الباب أمام عزلة سياسية وخسارة ميدانية متدحرجة.
ما يجري في شمال وشرق سوريا ليس مجرد إعادة رسم لخطوط السيطرة، بل اختبار لمستقبل العلاقة بين المركز والأطراف، ولقدرة النظام الجديد على استيعاب التنوع القومي ضمن دولة موحدة، في لحظة إقليمية تتراجع فيها هوامش المناورة، وتُعاد فيها صياغة التحالفات على قاعدة الاستقرار لا التجزئة.



