سوريا بعد الأسد: السجون تعود وتمتلئ من جديد
تحقيق يكشف موجات اعتقال وتعذيب وابتزاز - والحكومة تبرر بـ"الأمن" وملاحقة متورطين
موجات اعتقال متلاحقة بعد سقوط النظام
لم تمضِ أيام على فتح سجون الأسد حتى بدأت موجة اعتقالات جديدة. التحقيق يشير إلى ثلاث مراحل رئيسية:
الأولى طالت مجندين وضباطاً تركوا مواقعهم مع انهيار النظام.
الثانية في منتصف الشتاء واستهدفت مئات من أبناء الطائفة العلوية، ثم تسارعت بعد أحداث الساحل في مارس وما تلاها من أعمال انتقامية.
الثالثة في الصيف، وتركزت في الجنوب وسط توتر طائفي واتهامات بانتهاكات شملت مناطق ذات غالبية درزية.
وبموازاة ذلك، سُجلت اعتقالات متفرقة طالت سوريين من طوائف متعددة بذريعة “الأمن” أو “صلة بالنظام” دون توضيحات علنية، إضافة إلى توقيفات عند حواجز استهدفت أشخاصاً بتهم تتعلق بالارتباط بإيران أو حزب الله، وفق روايات وردت في التحقيق.
أرقام أولية - والواقع أكبر من القدرة على التوثيق
بحسب ما جمعته رويترز من مقابلات وقوائم زيارات عائلية لسبعة مراكز احتجاز، تم توثيق أسماء ما لا يقل عن 829 شخصاً اعتقلوا لأسباب أمنية منذ سقوط الأسد. لكن التحقيق يرجّح أن العدد الحقيقي أعلى بكثير، مستنداً إلى شهادات عن اكتظاظ واسع، وصعوبة تتبع ملفات التوقيف، وغياب لوائح رسمية شاملة.
مراكز من عهد الأسد تعود للعمل
رغم تعهدات سابقة بإغلاق “السجون سيئة السمعة”، خلص التحقيق إلى أن عدداً كبيراً من منشآت الاحتجاز التي كانت تعمل في عهد الأسد عادت للعمل خلال العام الماضي، بينها مراكز كبيرة داخل مجمعات أمنية ومقار مخابرات سابقة، وأخرى أصغر عند مخافر وحواجز.
كما تحدّثت شهادات عن تفاوت كبير في السماح بالزيارة أو الاستعانة بمحامٍ، وعن عائلات فقدت أثر أقاربها لأشهر طويلة.
ظروف احتجاز قاسية - وأساليب تعذيب تعود
يروي معتقلون سابقون وأقارب محتجزين ظروفاً وُصفت بغير الإنسانية: اكتظاظ شديد، نقص غذاء ودواء، انتشار أمراض جلدية بسبب سوء النظافة، وغياب الحد الأدنى من الرعاية.
الأخطر أن شهادات متعددة تتحدث عن عودة ممارسات تعذيب كانت مرتبطة بذاكرة السجون القديمة، مثل الضرب المبرح، التعليق، والإذلال المنهجي عند إدخال المعتقلين، إلى جانب سوء المعاملة في مراكز احتجاز غير رسمية.
وفيات داخل الاحتجاز - وإبلاغ متأخر أو غائب
وثق التحقيق وفاة ما لا يقل عن 11 شخصاً أثناء الاحتجاز، بينها حالات قالت عائلاتها إنها لم تعرف بالوفاة إلا بعد الدفن. وفي وقائع أخرى، تحدثت أسر عن آثار ضرب على الجثامين وصعوبة الحصول على تقارير تشريح أو مستندات رسمية توضّح سبب الوفاة أو أساس الاعتقال.
الابتزاز المالي - فدية مقابل خبر أو إفراج
يصف التحقيق عودة “اقتصاد السجون” عبر اتصالات من أشخاص يقدمون أنفسهم كحراس أو وسطاء يطلبون مبالغ مالية مقابل الإفراج أو تقديم معلومات.
وتراوحت المبالغ، وفق الشهادات، من مئات الدولارات إلى عشرات الآلاف، ووصلت في بعض الحالات إلى مبالغ ضخمة، مع تهديدات صريحة للعائلات، ومن دون ضمانات أو أدلة تثبت أن المحتجز ما زال على قيد الحياة.
رد الحكومة: الأمن أولاً - وإجراءات تأديبية
قالت الحكومة السورية إن حجم الانتهاكات في عهد النظام السابق وعدد المتورطين الكبير يفسران كثيراً من الاعتقالات وإعادة فتح بعض المراكز، مضيفة أن هناك أيضاً قضايا جنائية وتهديدات للأمن.
وأشارت إلى أن عدد المفرج عنهم خلال العام يفوق عدد المحتجزين حالياً دون تقديم أرقام مفصلة، كما قالت إنها اتخذت إجراءات تأديبية بحق عشرات من عناصر الأمن على خلفية ابتزاز أو عنف.
بين وعد الدولة وعودة الدولة الأمنية
الفارق كبير بين منظومة الأسد وبين ما يجري اليوم، لكن التحقيق يطرح سؤالاً ثقيلاً: هل تتحول “المرحلة الجديدة” إلى تأسيس دولة قانون، أم إلى إعادة إنتاج أدوات القمع القديمة بأسماء جديدة؟
ملف السجون هنا ليس تفصيلاً، بل اختباراً لمعنى التغيير نفسه - لأن سوريا التي دفعت ثمناً هائلاً بسبب المعتقلات، تعرف جيداً كيف يبدأ الخوف عندما تعود الزنازين إلى لعب دور الدولة.



