الحرب تدخل البيوت في لبنان
من الجبهات إلى الأحياء السكنية… المدنيون في قلب المواجهة
لم تعد الحرب في لبنان محصورة بخطوط تماس واضحة أو جبهات تقليدية، بل أخذت مساراً أكثر تعقيداً وخطورة، مع انتقالها إلى داخل الأحياء السكنية، حيث باتت المنازل نفسها جزءاً من ساحة المعركة.
ضربات داخل المدن
الهجوم الأخير الذي استهدف مبنى سكنياً في عين سعادة شرق بيروت شكّل نموذجاً واضحاً لهذا التحول. فالقصف لم يقتصر على هدف عسكري في منطقة مفتوحة، بل اخترق مبنى مدنياً وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى من داخل منازلهم.
وتكرار هذا النمط من الضربات في مناطق مثل الجناح وبرج حمود ودوحة عرمون يعكس اتجاهاً تصاعدياً نحو استهداف مواقع داخل بيئات مأهولة، ما يوسّع دائرة الخطر لتشمل المدنيين بشكل مباشر.
لماذا الأحياء السكنية؟
يرتبط هذا التحول، وفق تقديرات وتحليلات، بعدة عوامل متداخلة.
أولها أن بعض عناصر وقيادات حزب الله قد يلجؤون إلى التواجد خارج مناطق نفوذهم التقليدية، في محاولة لتقليل فرص استهدافهم، عبر الاختباء داخل بيئات مدنية أقل توقعاً.
أما العامل الثاني، فيتمثل في التطور الكبير في القدرات الاستخباراتية، سواء التقنية أو البشرية، ما يجعل تعقب الأهداف ممكناً حتى داخل مناطق مكتظة بالسكان، ويحدّ من فعالية الاختباء.
كما أن تراكم البيانات الاستخباراتية خلال السنوات الماضية، خصوصاً منذ انخراط الحزب في الحرب السورية، ساهم في بناء بنك أهداف واسع، يسمح بتحديد مواقع الأفراد بدقة عالية.
بين الاستهداف والنتيجة
بغض النظر عن الجهة المستهدفة، تبقى النتيجة واحدة: سقوط مدنيين داخل منازلهم.
هذا الواقع يثير جدلاً واسعاً داخل لبنان، حيث تتصاعد الأصوات الرافضة لتحويل المناطق السكنية إلى ساحات مواجهة، معتبرة أن ذلك يعرّض السكان لمخاطر مباشرة لا علاقة لهم بها.
الفنادق… جبهة جديدة
لم يقتصر التهديد على الشقق السكنية، بل امتد إلى القطاع الفندقي، مع تسجيل حالات استهداف طالت نزلاء في بعض الفنادق.
وقد أدى ذلك إلى تراجع حاد في الحركة السياحية، مع انخفاض نسب الإشغال بشكل كبير، وسط إجراءات أمنية مشددة تشمل تدقيقاً يومياً في بيانات النزلاء وتشديد الرقابة على الدخول والخروج.
تداعيات اجتماعية متسارعة
على المستوى الاجتماعي، بدأت تداعيات هذا التحول تظهر بوضوح.
فأصحاب العقارات باتوا أكثر حذراً في تأجير منازلهم، مع تشديد شروط السكن، خصوصاً في ظل صعوبة التحقق من خلفيات المستأجرين.
كما يواجه النازحون صعوبات متزايدة في إيجاد مأوى، وسط مخاوف أمنية متنامية، ما يزيد من هشاشة الوضع الإنساني ويهدد بظهور توترات اجتماعية.
دور الدولة… وحدود القدرة
في مواجهة هذا الواقع، تحاول البلديات والأجهزة المحلية اتخاذ إجراءات احترازية، مثل طلب الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه أو تنظيم عمليات الإيواء.
لكن قدرة الدولة تبقى محدودة، سواء بسبب نقص المعلومات أو ضعف الإمكانات، ما يجعل الإجراءات الوقائية غير كافية لاحتواء المخاطر المتزايدة.
الخلاصة
ما يجري اليوم في لبنان يعكس تحوّلاً عميقاً في طبيعة الحرب، حيث لم تعد الجغرافيا توفر حماية، ولم تعد المسافة عن الجبهة تعني الأمان.
ومع انتقال المواجهة إلى داخل المدن، يصبح المدنيون الحلقة الأضعف في معادلة لا يملكون التحكم بها، فيما تستمر الحرب في إعادة رسم حدود الخطر… من الخطوط الأمامية إلى داخل البيوت.



