غزة والمرحلة الثانية… عقدة السلاح قبل الإعمار
لماذا يبدو نزع سلاح حماس العقبة الأخطر أمام خطة ما بعد الحرب؟
لا تكمن المعضلة الأساسية في المرحلة الثانية من خطة غزة في إعادة الإعمار أو في شكل الإدارة المدنية المقبلة، بل في ملف واحد يتقدم على كل ما عداه: السلاح، ومن يمتلكه، وكيف يمكن نزعه، ومن يملك القدرة الفعلية على فرض ذلك.
واشنطن، التي تقود المسار السياسي للمرحلة الانتقالية، باتت تتعامل مع نزع سلاح حركة حماس بوصفه شرطاً إلزامياً للانتقال إلى حكم تكنوقراطي في القطاع. وقد كرر المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف هذا المطلب علناً، في وقت تشير فيه تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية إلى أن الحركة، رغم الضربات القاسية التي تلقتها، ما زالت تحتفظ بقدرات عسكرية وتنظيمية تمكّنها من تعطيل أي تسوية.
دبلوماسي أوروبي في واشنطن لخّص المأزق بالقول إن المشكلة لم تعد في ما إذا كانت حماس أُضعفت، بل في أنها ما زالت مسلحة بالقدر الكافي لإفشال أي مسار لا يراعي ميزان القوة القائم.
في المقابل، ترفض حماس من حيث المبدأ التخلي عن سلاحها من دون مسار سياسي واضح لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية. أما إسرائيل، فتتمسك بمعادلة معاكسة: لا انسحاب من غزة ولا إنهاء للاحتلال العسكري ما دامت الحركة تحتفظ بسلاحها، وهي وحدها من يعرّف ما هو “نزع السلاح الحقيقي”.
هكذا يتكرّس ما يشبه الفيتو المتبادل:
حماس لا تنزع سلاحها من دون ضمانات سياسية لن تقدّمها إسرائيل، وإسرائيل لا تنسحب من دون نزع سلاح لن تقبل به حماس. وبين الشرطين، تقف الخطة الأميركية في منطقة رمادية، تنتظر تسوية لا يبدو أن شروطها نضجت بعد.
مجلس السلام… سلطة بالمال لا بالتوافق
في محاولة لردم هذه الهوة، تراهن واشنطن على “مجلس السلام” واللجنة التكنوقراطية الانتقالية، باعتبارهما الإطارين القادرين على إدارة مرحلة ما بعد الحرب. غير أن طبيعة هذين الهيكلين تكشف عن مقاربة مختلفة عن النماذج الدولية التقليدية.
فبحسب تسريبات دبلوماسية، يتطلب الحصول على عضوية دائمة في مجلس السلام مساهمة مالية ضخمة قد تصل إلى مليار دولار، في صيغة أقرب إلى “الاستثمار مقابل النفوذ” منها إلى المساعدات الإنسانية. وهو ما يعبّر عن توجه أميركي لتأسيس منظومة حكم سريعة التنفيذ، واضحة خطوط السلطة، وأقل خضوعاً لآليات التوافق البطيئة في المؤسسات متعددة الأطراف.
يصف أحد الدبلوماسيين هذا النموذج بالقول: “هذه ليست مساعدات، بل حصص ملكية. والملكية تعني السيطرة”. أي أن من يدفع، يشارك في القرار، لا في التمويل فقط.
رفح… الامتحان الأول
وسط هذه الهندسة السياسية المعقدة، يبرز معبر رفح كنقطة الاختبار العملية للمرحلة الثانية. فإعادة فتحه وفق الصيغة المقترحة – إدارة فلسطينية، رقابة إسرائيلية غير مباشرة، وإشراف أوروبي – ستشكّل مؤشراً على إمكان انتقال الخطة من الورق إلى الواقع.
لكن تأخير فتح المعبر، وربطه بملفات الرهائن والترتيبات الأمنية، يعكس هشاشة التفاهمات القائمة. وإذا فشل هذا الامتحان الأول، فإن كل ما يُطرح عن مجالس ولجان وخطط إعادة إعمار قد يبقى في إطار التنظير السياسي، من دون أن يتحول إلى مسار قابل للحياة.
في الخلاصة، تبدو المرحلة الثانية من خطة غزة عالقة في قلب معادلة واحدة:
لا إعادة إعمار من دون استقرار، ولا استقرار من دون نزع سلاح، ولا نزع سلاح من دون تسوية سياسية لم تتبلور بعد. وبين هذه الدوائر المتشابكة، يبقى “مجلس السلام” محاولة لإدارة الفراغ، لا دليلاً على أن عقدته الأساسية قد حُلّت.



