السيناريو الثالث في لبنان: بين ضغط السلاح وخطر الانفجار الكبير
تصعيد إسرائيلي، مأزق داخلي، ورسائل دولية تضيّق هامش المناورة أمام حزب الله والدولة
مع رسائل الإنذار الإسرائيلية التي سبقت الغارات على بلدات جنوبية شمال نهر الليطاني، بدا المشهد اللبناني وكأنه يدخل مرحلة أكثر حساسية، حيث لم تعد التحذيرات مجرّد استعراض قوة، بل جزءاً من معادلة ضغط متكاملة تتقاطع فيها الميدان مع السياسة.
الغارات التي تلت الإنذارات، وأوقعت إصابات ودماراً في بلدات مأهولة، جاءت في لحظة سياسية دقيقة: حكومة لبنانية تحاول تثبيت قرار حصر السلاح بيد الدولة، وضغط دولي متصاعد لتطبيق هذا القرار شمال الليطاني، مقابل إصرار حزب الله على الاحتفاظ بترسانته واعتبارها “ضمانة وجود” لا ورقة تفاوض فقط.
سلاح شمال الليطاني: وظيفة ردع أم ورقة داخلية؟
ترى أوساط عسكرية وسياسية أن السلاح الذي بقي بحوزة الحزب شمال الليطاني لم يعد يؤدي وظيفة عسكرية مباشرة في مواجهة إسرائيل، بعد تثبيت واقع أمني جديد جنوب النهر. وبحسب هذا التقدير، تحوّل السلاح إلى أداة نفوذ داخلي، تُستخدم لحماية موقع الحزب في التوازنات السياسية ومنع فرض معادلات جديدة عليه.
في المقابل، يبرّر الحزب تمسّكه بالسلاح بمخاوف أمنية متعددة: استمرار التهديد الإسرائيلي، احتمال عودة الفوضى من الجبهة السورية، وانعدام الثقة بالضمانات الدولية. ويربط أي نقاش حول تسليم السلاح بانسحاب إسرائيل من النقاط التي لا تزال تحتلها، ووقف الاستهدافات، وإطلاق الأسرى.
الضغط الدولي يتصاعد
الولايات المتحدة ودول غربية ترى أن المرحلة الراهنة تمثّل فرصة لإقفال ملف السلاح غير الشرعي نهائياً، في إطار إعادة تثبيت سيادة الدولة اللبنانية ومنع انزلاق الجنوب إلى جولات استنزاف متكرّرة. وترافقت هذه الضغوط مع إشارات واضحة في دافوس إلى أن بقاء الوضع على ما هو عليه لم يعد مقبولاً.
في هذا السياق، بدا أن الغارات الإسرائيلية الأخيرة تحمل رسالة مزدوجة: اختبار جدّية الدولة اللبنانية في بسط سلطتها، والضغط على حزب الله لدفعه نحو أحد خيارين -التسوية أو المواجهة.
ثلاثة سيناريوهات مفتوحة
أمام هذا المشهد، تتبلور ثلاثة مسارات محتملة:
الأول - تسوية داخلية
قبول الحزب بتسليم سلاحه شمال الليطاني ضمن ترتيبات تضمن له دوراً سياسياً كاملاً داخل الدولة، وانتقاله إلى مرحلة العمل الحزبي الصرف.
الثاني - فرض بالقوة
لجوء الدولة، بدعم خارجي، إلى محاولة نزع السلاح بالقوة، وهو خيار محفوف بمخاطر صدام داخلي واسع وانقسام حاد داخل المؤسسة العسكرية والمجتمع.
الثالث - التدخل الإسرائيلي المباشر
وهو السيناريو الأخطر، ويتمثل في عجز الدولة عن فرض قرارها، ما يفتح الباب أمام إسرائيل لشنّ عمليات واسعة لتدمير البنية العسكرية للحزب في العمق اللبناني، وفرض وقائع ميدانية جديدة، قد تشمل مناطق عازلة وتهجيراً وضرباً للبنية التحتية، تحت عنوان “منع إعادة التسلّح”.
لبنان عند مفترق خطير
بين التصعيد الإسرائيلي، وتصلّب مواقف حزب الله، وضيق هامش المناورة أمام الحكومة، يقف لبنان على حافة مرحلة مفصلية. فإمّا أن تنجح الدولة في تحويل ملف السلاح إلى مسار سياسي-أمني منضبط، يجنّب البلاد الانفجار، وإمّا أن تنزلق الأمور نحو السيناريو الثالث، حيث تُفرض المعادلات بالنار، وتُدفع البلاد مجدداً إلى قلب العاصفة الإقليمية.



