من النهر إلى المجهول: حين يصبح العبور بين سوريا ولبنان مقامرة بالحياة
الهجرة غير الشرعية تعود بقوة بعد سقوط النظام.. والحدود تتحول إلى فخ قاتل
مرّ عام على سقوط نظام بشار الأسد، لكن ذلك لم ينهِ معاناة السوريين ولا طرق هروبهم الخطِرة. على الحدود السورية – اللبنانية، وتحديداً عند مجرى “النهر الكبير الجنوبي”، لا يزال العبور غير الشرعي خياراً قسرياً لكثيرين، حيث يصبح النجاة استثناءً والموت احتمالاً دائماً.
في ليلة ماطرة، وجدت “أم حسن” نفسها مضطرة لعبور النهر مع طفليها، بعد زيارة عائلية قصيرة إلى حلب. دخلت سوريا بشكل قانوني، لكنها لم تستطع العودة بالطريقة نفسها لغياب الأوراق الرسمية. الحل الوحيد كان اللجوء إلى مهرّبين، وطريق يبدأ من حمص وينتهي عند مياه جارفة لا ترحم.
عبور تحت المطر والخوف
تصف “أم حسن” الرحلة بأنها لحظة انعدام كامل للأمان. انتظار طويل في منزل مهجور، ثم انتقال ليلي على دراجات نارية، وصولاً إلى ضفة نهر متضخم بفعل السيول. “المياه كانت أقوى من قدرتنا على الوقوف. خطوة خاطئة تعني الغرق”، تقول.
الأطفال كانوا يبكون، والنساء يتشبثن بالفراغ. من يسقط لا ينهض وحده، بل يحتاج إلى أكثر من يد. ورغم ذلك، تمكّنت المجموعة من العبور. بعد يومين فقط، انتشر خبر غرق عدد من السوريين في المكان نفسه، ما أعاد تسليط الضوء على كلفة هذه الطرق غير الشرعية.
ما بعد النهر.. الخطر لا ينتهي
لم يكن الوصول إلى الضفة اللبنانية نهاية الخوف. السير بصمت في الظلام، الاختباء في حظيرة ماشية، وانتظار مهرّب آخر خشية دوريات الأمن. بعدها فقط بدأت الرحلة نحو وادي خالد ثم بيروت. دفعت “أم حسن” 140 دولاراً، لكن الثمن الحقيقي بقي نفسياً.
رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان يؤكد أن ما يدفع السوريين إلى هذه المخاطرة هو شعور عميق بانعدام الأمان، سواء في لبنان أو سوريا، نافياً في الوقت نفسه أي دور للأجهزة اللبنانية في إجبارهم على العبور، ومشيراً إلى أن المهربين أنفسهم حذّروا من خطورة اجتياز النهر في ذلك اليوم.
لماذا العودة مستحيلة؟
بالنسبة لـ”أم حسن”، البقاء في سوريا لم يكن خياراً. منزل مدمّر، لا كهرباء ولا مياه ولا عمل. “كل ما يقال عن تحسّن الوضع غير صحيح”، تقول. وترى أن الحياة في لبنان، رغم صعوبتها، تبقى أهون.
ناشطون وحقوقيون يشيرون إلى أن القوانين المعقدة بين البلدين، والضغوط المعيشية، تجعل النساء والأطفال الفئة الأكثر عرضة للمخاطر، خصوصاً عند غياب مسارات قانونية واضحة للعودة أو التنقل.
مسار رسمي لا يكفي
أقرّت الحكومة اللبنانية خطة “العودة الآمنة والمستدامة”، وأعلنت عن عودة مئات الآلاف من السوريين، لكن الواقع الميداني يُظهر فجوة كبيرة بين القرارات والتطبيق. فغياب الضمانات الأمنية، وتأخر إعادة الإعمار، واستمرار الضغوط القانونية، كلها عوامل تدفع بعض السوريين مجدداً نحو طرق التهريب.
بين خيارين قاسيين
ينتهي السرد عند خلاصة واحدة: العبور غير الشرعي ليس مغامرة، بل خيار قسري بين خطرين. وبينما تتقاطع السياسة مع الأمن والقانون، يبقى الإنسان الحلقة الأضعف.
“الموت على هذا الطريق أقرب من النجاة”، تقول “أم حسن”، محذّرة كل من يفكر في سلوك المسار نفسه.



