كوباني تحت الحصار - مستشفيات تختنق وطبابة بلا دواء
مدينة محاصَرة بين القصف ونقص الإمدادات وموجات نزوح جديدة
تعيش مدينة كوباني (عين العرب) واحدة من أقسى لحظاتها منذ سنوات، مع استمرار الحصار والقصف، وتحول المراكز الصحية إلى غرف إسعاف طارئة تفتقر إلى أبسط المستلزمات الطبية.
في مركز “منتشور” الصحي وسط المدينة، الذي يُفترض أن يقدّم رعاية أولية، بات المشهد أقرب إلى مستشفى ميداني. تقول الطبيبة أفين خليل إن المركز يستقبل يومياً قتلى وعشرات الجرحى جراء القصف المدفعي وضربات الطائرات المسيّرة التي تستهدف القرى والبلدات المحيطة بكوباني. وتضيف أن الطواقم الطبية تعمل فوق طاقتها، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، وعجز كبير في الكوادر.
حصار من الجهات الأربع
منذ نحو عشرة أيام، تطوّق فصائل تابعة للحكومة السورية مدينة كوباني من الشرق والغرب والجنوب، فيما يفرض الجيش التركي طوقاً محكماً من الشمال. ورغم تمديد الهدنة المعلَنة بين الأطراف، لم تتوقف الاشتباكات ولا القصف، بحسب ما أفاد به ناشطون محليون.
قوات سوريا الديمقراطية اتهمت، في بيان، الفصائل التابعة لدمشق بخرق الهدنة أكثر من عشرين مرة خلال أيام قليلة، مؤكدة أن قواتها تصدت لمحاولات اقتحام استهدفت قرى في ريف كوباني والحسكة.
مستشفيات مكتظة ومدينة بلا خدمات
لم تتمكن الطبيبة أفين من مغادرة مركزها منذ قرابة أسبوع، مع تدفق المصابين والمرضى والنازحين. ويصف المحامي مصطفى شيخ مسلم الوضع الإنساني في المدينة بأنه “كارثي”، مشيراً إلى فراغ الأسواق من المواد الغذائية الأساسية ومعظم الأدوية، لا سيما أدوية السكري وأمراض القلب، وانقطاع المياه والكهرباء منذ أكثر من أسبوع.
ويحذّر شيخ مسلم من أن استمرار الحصار قد يقود إلى انهيار إنساني واسع، في ظل غياب أي استجابة إغاثية فاعلة، وتنامي مخاوف السكان من تكرار سيناريوهات المجازر التي شهدتها مناطق سورية أخرى.
غارات ونزوح جديد
الاثنين، أسفرت غارة تركية بطائرة مسيّرة عن مقتل خمسة أشخاص من عائلة واحدة وإصابة خمسة آخرين بجروح خطيرة في قرية خراب عشك جنوب شرقي كوباني، وفق ما أفادت به قيادية في الإدارة الذاتية. وجاءت الغارة متزامنة مع قصف مدفعي للفصائل الحكومية على القرى الجنوبية الشرقية.
في موازاة ذلك، تتدفّق موجات نزوح جديدة إلى مدن القامشلي والحسكة وكوباني، من ريف حلب والرقة والطبقة، حيث يُوزَّع النازحون على المدارس والمساجد بسبب تعذّر إنشاء مخيمات جديدة، واشتداد البرد.
الهروب من حرب إلى أخرى
يروي إبراهيم شيخو، وهو نازح من عفرين منذ 2018، كيف اضطر للنزوح للمرة الرابعة، هذه المرة من الطبقة إلى الحسكة، هرباً من القصف والاشتباكات. ويقول إن كثيرين قُتلوا أو أصيبوا أثناء محاولات الفرار، إما بالقنص أو الرصاص العشوائي أو في كمائن مسلّحة.
الهلال الأحمر الكردي - سباق مع الوقت
تؤكد الرئيسة المشتركة للهلال الأحمر الكردي، هدية عبدالله، أن آلاف العائلات وصلت إلى القامشلي وناحية كركي لكي، في وقت تعاني فيه المنظمات الإنسانية من صعوبة إيصال المساعدات إلى المناطق المحاصَرة. وتشير إلى وفاة أربعة أطفال خلال الأيام الماضية في كوباني بسبب البرد ونقص الأدوية.
وتعمل المنظمات المحلية، بالتنسيق مع جهات دولية، على محاولة فتح ممرات إنسانية لإدخال الغذاء والدواء إلى كوباني ومحيطها، لكن القصف المستمر وانعدام الضمانات الأمنية يعقّدان المهمة.
مدينة على حافة الكارثة
وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، تعرضت عشرات القرى في محيط كوباني لقصف مكثف بالدبابات والمدفعية، مع استمرار الاشتباكات وخرق الهدنة. ومع كل جولة تصعيد، يزداد الضغط على مدينة محاصَرة، مستشفياتها مكتظة، وأسواقها خاوية، وسكانها عالقون بين نار القصف وثلوج الشتاء، في انتظار ممر إنساني قد يتأخر أكثر مما تحتمل الحياة.



