مجلس ترامب للسلام - مبادرة لغزة أم كسرٌ لقواعد النظام الدولي
كيف تحوّل إطار دافوس إلى ساحة اختبار بين منطق الصفقات ومنطق الشرعية
لم يُوقَّع «مجلس السلام» في دافوس بوصفه مشروعاً تقنياً لإعادة إعمار غزة فحسب، بل كخطوة سياسية تعكس تحوّلاً أعمق في طريقة إدارة الأزمات الدولية. فبالنسبة إلى واشنطن، لا يمثل المجلس بديلاً عن الأطر المتعددة الأطراف بقدر ما هو مسار التفافي عليها، يهدف إلى تجاوز بطئها وعجزها عن إنتاج قرارات قابلة للتنفيذ.
الإدارة الأميركية - كسر الجمود الأممي
مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أوضح لـ«شبكة الشرق الأوسط للإعلام» أن الرهان على المجلس ينبع من قناعة بأن منظومة الأمم المتحدة لم تعد قادرة على مواكبة تعقيد الصراعات وسرعة تطورها. فالمسألة، وفق تعبيره، تتعلق بالسرعة والقدرة على فرض النفوذ وربط المسؤولية بالقرار، في مقابل مسارات دولية تتعطل بفعل التوازنات والفيتوهات.
أوروبا - اعتراض على الفلسفة لا على الملف فقط
في المقابل، تنظر عواصم أوروبية إلى المشروع من زاوية مختلفة. دبلوماسي فرنسي مقيم في لبنان اعتبر أن الإشكالية لا تكمن في غزة بحد ذاتها، بل في البنية الفكرية التي يقوم عليها المجلس. فالتصور المطروح، برأيه، يتعامل مع القطاع كمساحة خالية قابلة لإعادة التطوير العقاري، متجاهلاً مسألة ملكية الأراضي الفلسطينية الخاصة، ما يفتح الباب أمام فراغ قانوني قد يحوّل إعادة الإعمار إلى عملية مصادرة مقنّعة.
اعتراضات أوروبية - شرعية وهيكلية
فرنسا وألمانيا وإيطاليا وعدد من دول الشمال الأوروبي امتنعت عن الانضمام، مستندة إلى اعتبارات دستورية وإلى تعارض بعض بنود المجلس مع ميثاق الأمم المتحدة. وتمحورت الاعتراضات حول ثلاثة محاور أساسية:
الولاية العالمية للمجلس خارج الأطر الأممية.
رئاسة دونالد ترامب مدى الحياة مع امتلاكه حق النقض.
نظام العضوية الدائمة المرتبط بمساهمة مالية مرتفعة يُقال إنها تصل إلى مليار دولار.
العرب - براغماتية النفوذ لا شرعية الإطار
الدول العربية، على عكس أوروبا، اختارت مقاربة أكثر عملية. مسؤول في جامعة الدول العربية أوضح أن قرار المشاركة لم يكن تعبيراً عن تبنٍّ كامل للمشروع، بل عن إدراك بأن الغياب سيعني خسارة أي تأثير في مسار إعادة إعمار غزة وترتيبات ما بعد الحرب. فالوجود داخل الهيكل، حتى لو كان ناقصاً أو إشكالياً، يتيح هامشاً من التأثير أفضل من ترك الساحة فارغة.
وانضمت السعودية ومصر وقطر والإمارات وتركيا إلى المجلس، وحصلت على مواقع في اللجنة التنفيذية المعنية بغزة. وبالنسبة إلى القاهرة والدوحة، يوفّر ذلك الحفاظ على دورهما في إدارة معبر رفح وتدفقات المساعدات وترتيبات الحكم، في إطار محاولة لتشكيل النتائج لا لمجرد إضفاء شرعية على الصيغة الأميركية.
إسرائيل - تردد ثم انخراط
أما إسرائيل، فتعاملت مع المجلس بحذر في بدايته، خصوصاً بسبب إشراك تركيا وقطر. غير أن ضغوطاً أميركية دفعتها، وفق ما أوردته «إسرائيل هيوم»، إلى القبول بالانضمام إلى الإطار الأوسع، إدراكاً منها أن مسار إعادة الإعمار وترتيبات ما بعد الحرب يتشكل خارج القنوات التقليدية.
خلاصة المشهد
يكشف «مجلس ترامب للسلام» عن انقسام في مقاربة النظام الدولي للأزمات. أوروبا تتمسك بقواعد الشرعية والاستمرارية القانونية. الولايات المتحدة تختبر منطق الصفقات والهياكل المرنة القادرة على تجاوز التعقيدات المؤسسية. أما الفاعلون الإقليميون، فيسعون إلى التكيّف مع المسارين معاً، انطلاقاً من قناعة بأن امتلاك نفوذ داخل نظام ناقص أفضل من ترك القرارات المصيرية تُصاغ من دونهم.



