السويداء في ساحة الكرامة - الدروز يرفعون صوت تقرير المصير
“نكون أو لا نكون” شعار مرحلة فاصلة في تاريخ الجبل
في مشهد أعاد ساحة الكرامة إلى قلب الحدث السوري، شهدت مدينة السويداء، اليوم السبت، تظاهرات حاشدة شارك فيها آلاف المحتجين، رافعين مطلباً واحداً بوضوح غير مسبوق: حق تقرير المصير، بوصفه خياراً سياسياً وجودياً، لا مجرد شعار احتجاجي عابر.
التظاهرات التي رفعت شعار “نكون أو لا نكون” جاءت محمّلة بدلالات عميقة، تعكس شعوراً متراكماً لدى أبناء الجبل بأنهم أمام مفترق طرق تاريخي، في ظل التحولات المتسارعة التي تعصف بسوريا والمنطقة.
ساحة الكرامة - من احتجاج معيشي إلى مطلب سياسي
منذ سنوات، تحولت ساحة الكرامة في السويداء إلى رمز للاعتراض السلمي وفضاء مفتوح للتعبير السياسي. لكن تظاهرات اليوم بدت مختلفة في سقفها ومضمونها. فالهتافات لم تقتصر على رفض الواقع الاقتصادي أو الأمني، بل ذهبت مباشرة إلى جوهر المسألة السياسية: من يقرر مصير السويداء والدروز في سوريا القادمة؟
رفع رايات الدروز إلى جانب العلم الإسرائيلي شكّل أكثر مشاهد التظاهرات إثارة للجدل، لكنه، بالنسبة لكثير من المشاركين، لم يكن تعبيراً عن اصطفاف أيديولوجي بقدر ما هو رسالة سياسية صادمة، هدفها لفت الانتباه إلى شعور متنامٍ بالعزلة والتهديد، وإلى البحث عن ضمانات خارج معادلات الدولة السورية التقليدية.
الدعوة والتحريض السياسي
وبحسب منظمي التظاهرات، جاءت التحركات استجابة لدعوات أطلقها الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، إلى جانب شخصيات إسرائيلية أخرى، إضافة إلى ما يُعرف بـ“حركة تقرير المصير في السويداء”.
ويرى مؤيدو هذه الدعوات أن التواصل مع الخارج، مهما كان مثيراً للحساسية، بات خياراً مطروحاً في ظل غياب أي مشروع وطني سوري جامع يضمن حقوق الأقليات، ويمنح الدروز موقعهم الطبيعي كشركاء متساوين، لا كطرف هامشي يُطلب منه الصمت أو الانتظار.
الدروز - تاريخ من الاستقلالية والحذر
لم تكن السويداء يوماً منطقة هامشية في التاريخ السوري. فالدروز حافظوا، عبر عقود طويلة، على معادلة دقيقة تجمع بين الانتماء الوطني والخصوصية المجتمعية، وبين الدفاع عن الأرض ورفض الانخراط في صراعات عبثية.
لكن ما يجري اليوم، بحسب ناشطين في ساحة الكرامة، هو نتيجة تراكم طويل من الخيبات: دولة غائبة، حماية مفقودة، اقتصاد منهار، وسلاح منفلت في محيط الجبل. وفي هذا السياق، يُطرح تقرير المصير كآلية دفاع أخيرة، لا كدعوة للانفصال بقدر ما هو محاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على احترام إرادة السكان وخصوصيتهم.
الرمزية السياسية للعلم الإسرائيلي
يثير رفع العلم الإسرائيلي حساسية كبيرة داخل سوريا وخارجها، لكن قراءة هذا المشهد من زاوية واحدة قد تكون تبسيطاً متعمداً. فبالنسبة لكثير من المتظاهرين، الرسالة ليست حباً بإسرائيل ولا تبنّياً لمشروعها، بل صرخة سياسية تقول إن الدروز مستعدون لكسر المحرّمات إذا استمر تجاهل مخاوفهم وحقوقهم.
ويجادل ناشطون بأن هذا السلوك يعكس فقدان الثقة الكامل بكل الوعود التي قُطعت للسوريين عموماً، وللدروز خصوصاً، منذ اندلاع الأزمة، دون أن يتحقق منها شيء على أرض الواقع.
سوريا الجديدة - أين موقع الدروز؟
في ظل الحديث المتزايد عن “سوريا الجديدة” وترتيبات ما بعد الحرب، يخشى أبناء السويداء أن يُعاد إنتاج نظام مركزي لا يرى في الجبل سوى ورقة أمنية أو خزّاناً بشرياً عند الحاجة. لذلك، يأتي مطلب تقرير المصير كأداة ضغط سياسية، تهدف إلى فرض حضور الدروز على طاولة رسم مستقبل البلاد، لا انتظار ما يُقرره الآخرون.
بين الدعم والرفض
في المقابل، يرفض خصوم هذه التحركات اعتبارها ممثّلة لكل أبناء السويداء، ويحذرون من مخاطر الانزلاق نحو خيارات قد تعزل الجبل أكثر، أو تضعه في مواجهة مباشرة مع محيطه السوري. لكن المدافعين عن التظاهرات يردون بأن الصمت أخطر من المغامرة، وأن السكوت الطويل لم يجلب سوى مزيد من التهميش.
خلاصة المشهد
ما جرى في ساحة الكرامة اليوم ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر على تحوّل عميق في المزاج الدرزي. الدروز، الذين طالما اختاروا طريق الحذر، يلوّحون الآن بورقة تقرير المصير، لا حباً بالصدام، بل دفاعاً عن الوجود والكرامة.
السويداء تقول بوضوح: نحن هنا، ولن نُدار من خلف ظهورنا بعد الآن. وفي بلد يتغير شكله السياسي بسرعة، يبدو أن صوت الجبل قرر أخيراً أن يكون جزءاً من المعادلة، مهما كان الثمن.



