الخليج بين الدفاع والرد - متى يتحول “الاحتفاظ بالحق” إلى قرار عسكري؟
التصدي مستمر… لكن الهجوم مشروط بحالة واحدة
مع تواصل موجات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت أجواء ومنشآت في الإمارات وقطر والكويت والسعودية، يبرز سؤال محوري: إلى متى ستكتفي دول الخليج بالدفاع واعتراض الهجمات دون الانتقال إلى عمل هجومي مباشر؟
البيانات الرسمية الخليجية حملت صيغة موحّدة تقريباً - إدانة للهجمات واحتفاظ كامل بحق الرد. لكن هذا الرد لم يُفعّل حتى الآن، ما يعكس حسابات دقيقة تتجاوز الانفعال اللحظي.
أرقام الاستنزاف
وفق بيانات وزارات الدفاع في عدة دول خليجية، أُطلقت مئات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمسيّرات منذ بدء التصعيد. وتشير التقديرات إلى التعامل مع أكثر من 1700 تهديد جوي خلال أيام قليلة - وهو رقم غير مسبوق في المنطقة منذ عقود.
هذا الواقع يضع دول الخليج أمام تحديين:
الاستنزاف العسكري لمنظومات الدفاع الجوي
الضغط النفسي والسياسي الداخلي
ورغم تقارير تحدثت عن ضغوط على مخزونات صواريخ الاعتراض، نفت الدوحة وأبوظبي وجود أي نقص، وأكدتا جاهزية كاملة واستمرار القدرة على حماية المجال الجوي.
لماذا لا تنتقل دول الخليج إلى الهجوم؟
خبراء عسكريون يرون أن العقيدة الخليجية الحالية تقوم على ثلاث ركائز:
الدفاع المتقدم - حماية الأجواء والمنشآت الحيوية
الردع الجماعي - عبر التحالف مع الولايات المتحدة وشركاء دوليين
تجنب توسيع الصراع - لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة
المحللون يشيرون إلى أن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم يتطلب مبرراً استثنائياً - وهو ما يُوصف بـ”الحالة الواحدة”.
ما هي “الحالة الواحدة”؟
وفق تقديرات عدد من الخبراء، يتحول الموقف الدفاعي إلى هجومي فقط إذا تحقق أحد الشرطين:
وقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوف المدنيين أو القوات المسلحة
تهديد وجودي مباشر للبنية التحتية الحيوية أو الأمن القومي
في غياب ذلك، تفضّل دول الخليج الاستمرار في الردع الدفاعي، مع إبقاء خيار الرد مفتوحاً كورقة ضغط سياسية.
حسابات الردع مقابل كلفة الحرب
أي ضربة مباشرة داخل الأراضي الإيرانية ستعني عملياً دخول حرب إقليمية مفتوحة، وهو سيناريو تسعى العواصم الخليجية لتفاديه.
تنفيذ هجوم داخل إيران قد يؤدي إلى:
تصعيد متبادل واسع
استهداف منشآت الطاقة والموانئ
تعطيل الملاحة
قفزة حادة في أسعار النفط
وبالتالي، فإن كلفة الرد الهجومي قد تفوق المكاسب العسكرية المحدودة.
ضغط الشارع مقابل حسابات الدولة
خارج الدوائر الرسمية، تتصاعد أصوات تدعو إلى رد مباشر وعدم الاكتفاء بالاعتراض الدفاعي.
لكن صانع القرار الخليجي يبدو متمسكاً بنهج “الردع المحسوب” - إرسال رسائل واضحة لطهران بأن الهجمات تُعتبر عدواناً مباشراً، دون تحويل هذه الرسائل إلى إعلان حرب.
اجتماع خليجي ورسالة موحدة
الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية مجلس التعاون شدد على:
إدانة الاعتداءات الإيرانية
اعتبارها انتهاكاً للسيادة
الاحتفاظ بكامل حق الرد
الصياغة تعكس توازناً بين الردع القانوني والسياسي، وترك الباب مفتوحاً للدبلوماسية.
مرحلة “الردع المتقدم”
الوضع الحالي يمكن وصفه بأنه مرحلة ردع متقدم:
تأمين الأجواء والمياه الإقليمية
منع توسع الهجمات
تجنب حشد بري أو تصعيد شامل
الخيار الهجومي لا يزال موجوداً، لكنه مرتبط بسلوك إيران وحدود التصعيد.
الخلاصة
دول الخليج لا تسعى إلى حرب مفتوحة، لكنها أيضاً لا تقبل أن تتحول إلى ساحة مستباحة.
حتى الآن، الرد هو دفاعي - مدعوم بتحالفات قوية - مع احتفاظ واضح بحق الرد.
أما التحول إلى الهجوم، فسيبقى رهناً بتجاوز خط أحمر واضح… لا مجرد استمرار إطلاق الصواريخ.



