الإسلام بين السيف والتجارة.. كيف تغيّرت أفريقيا من التسامح إلى التطرّف؟
قراءة نقدية في انتشار الإسلام بالقارة الأفريقية وتحولات التدين من التصوف إلى السلفية الجهادية
في واحدة من أكثر حلقاته إثارة للجدل، يطرح الكاتب والصحافي المصري إبراهيم عيسى سؤالا صادما ومباشرا: هل انتشر الإسلام في أفريقيا بالسلم أم بالسيف؟ ولماذا تحولت مناطق عُرفت تاريخيا بالتسامح الديني والتعايش إلى ساحات مفتوحة للجماعات المتطرفة؟
النص التالي يعيد تقديم أبرز أفكار الحلقة، بصياغة تحليلية تناسب خيبر أونلاين، بعيدا عن التبسيط أو التقديس، وقريبا من قراءة التاريخ كما هو، لا كما نحب أن يكون.
الانتشار بالسيف.. كسر التابو
يبدأ عيسى من كسر الفكرة الشائعة التي ترفض مجرد النقاش في أن الفتوحات الإسلامية الأولى كانت، في جوهرها، حروبا توسعية. فالعرب المسلمون خرجوا من الجزيرة العربية لغزو محيطهم الجغرافي، لا كرد فعل على اعتداء، بل ضمن منطق العصر القائم على القوة والغلبة.
لم تكن العراق أو الشام أو مصر قد هاجمت المسلمين، ومع ذلك دخلتها الجيوش العربية بوصفها قوة فاتحة، رفعت شعار نشر الدين، لكنها فرضت واقعا سياسيا جديدا بقوة السلاح. ويشير عيسى إلى أن هذا السلوك لم يكن استثناء تاريخيا، بل كان القاعدة في عالم لا يعرف القانون الدولي ولا مفاهيم السيادة الحديثة.
خيارات ثلاث أمام الشعوب المفتوحة
عند دخول الجيوش، وُضعت المجتمعات المحلية أمام ثلاث خيارات: الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال. ويطرح عيسى مفارقة جوهرية: كيف يُطلب من إنسان اعتناق دين لا يعرف لغته ولا نصوصه؟ وكيف تُفرض عليه حماية من قوة هي نفسها من غزته؟
ويشدد على أن هذه المنظومة ليست قرآنية بقدر ما هي نظام بشري كان سائدا في الإمبراطوريات القديمة، من الرومان إلى الفرس، بل إن المسلمين أنفسهم دفعوا الجزية في مراحل ضعفهم، كما حدث لاحقا مع الدولة العثمانية.
أفريقيا جنوب الصحراء.. مسار مختلف تماما
على النقيض من شمال أفريقيا، يؤكد عيسى أن الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء انتشر بوسائل سلمية خالصة، بعيدا عن الجيوش والفتوحات. هنا لعبت ثلاثة عوامل دورا حاسما: التجارة، والتصوف، والهجرات العربية.
التجار المسلمون وصلوا إلى عمق القارة بسلوك أخلاقي مختلف، قائم على الصدق والأمانة، لا على الوعظ أو الإكراه. ومع المصاهرة والزواج، تشكلت مجتمعات مسلمة جديدة، دخلت الإسلام عبر القدوة لا السيف.
أما الطرق الصوفية، فقد كانت الجسر الروحي الأهم، إذ انسجمت طقوسها ولغتها الرمزية مع الروح الأفريقية، ونجحت في جذب الملايين عبر الزهد والتسامح والذكر، لا عبر التكفير.
من التصوف إلى الذبح.. ماذا حدث؟
السؤال الأخطر يطرحه عيسى بلا مواربة: كيف تحولت أفريقيا، التي عرفت الإسلام الصوفي المسالم، إلى بؤرة لتنظيمات مثل بوكو حرام والقاعدة وداعش؟
الإجابة تبدأ من سبعينيات القرن الماضي، مع ما سمي بالصحوة الإسلامية، مترافقة مع الثورة الإيرانية وحرب أفغانستان. حينها، بدأ تدفق الفكر السلفي الجهادي إلى أفريقيا، مدعوما بأموال النفط، ومؤسسات دعوية نشرت قراءة متشددة للإسلام، معادية للتصوف والتعدد.
تحولت هذه المراكز إلى مصانع أيديولوجية خرّجت أجيالا من المتشددين، كانت النواة الصلبة للتنظيمات الإرهابية لاحقا.
الحزام المتطرف.. قارة على حافة الانفجار
لم يتوقف الأمر عند الفكر، بل امتزج بالعامل القبلي والصراعات المحلية، واستُخدم من قبل أنظمة إقليمية وأجهزة استخبارات دولية لتصفية الحسابات وزعزعة الاستقرار.
النتيجة اليوم هي ما يشبه “حزاما إرهابيا” يمتد من الصومال شرقا إلى قلب غرب أفريقيا، يسيطر على مساحات واسعة، ويحاصر عواصم، ويهدد بالزحف شمالا نحو المتوسط.
أفريقيا، التي كانت يوما بستانا للإسلام المتسامح، تحولت إلى منجم للتوحش باسم الدين، في مشهد يختصر فشل السياسة، وخيانة الدين، وتلاعب المصالح الدولية معا.



