آلاف مقاتلي “قسد” السابقين يسلّمون السلاح في الرقة
تسويات جماعية بعد انتقال السيطرة إلى الحكومة السورية الانتقالية
في مشهد يعكس عمق التحولات التي تشهدها شمال شرقي سوريا، اصطف مئات المقاتلين السابقين في قوات سوريا الديمقراطية أمام مراكز “المراجعة والتسوية” التي افتُتحت حديثاً في مدينة الرقة، لتسليم أسلحتهم وتقنين أوضاعهم القانونية، بعد بسط الحكومة السورية الانتقالية سيطرتها على المدينة.
داخل أحد هذه المراكز، يقف رجال من أعمار وخلفيات مختلفة، بعضهم قاتل في مراحل سابقة، وآخرون عملوا في وظائف أمنية أو إدارية من دون الانخراط المباشر في المعارك. القاسم المشترك بينهم هو السعي إلى الخروج من حالة الغموض القانوني، وتأمين مورد معيشي في ظل أوضاع اقتصادية خانقة.
يقول محمد أنور إبراهيم، وهو أب لثمانية أطفال، إن دافعه الأساسي للحضور لم يكن سياسياً بقدر ما هو “بحث عن الاستقرار”. فبعد سنوات من العمل ضمن مؤسسات مرتبطة بـ”قسد”، اضطر إلى ترك موقعه والاتجاه إلى أعمال مؤقتة بسبب تدهور الدخل. “جئت للتسوية كي أرتب وضعي القانوني، المهم أن نحصل على حقوقنا كمواطنين من دون تمييز”، يقول وهو ينتظر دوره.
تحولات ميدانية فرضت وقائع جديدة
جاءت هذه التسويات عقب تغيّرات عسكرية متسارعة شهدها شهر يناير الماضي، حيث انسحبت “قسد” من مساحات واسعة في الرقة وأريافها، تحت ضغط عمليات عسكرية نفذتها قوات الحكومة الانتقالية مدعومة بمجموعات محلية من أبناء العشائر. هذا التحول أعاد رسم موازين السيطرة في منطقة كانت لسنوات خارج سلطة دمشق.
داخل مراكز التسوية، تتكرر روايات تنفي المشاركة في أي قتال ضد القوات التي دخلت المدينة. أحمد خليل علي، عنصر سابق في قوى الأمن الداخلي التابعة لـ”قسد”، يؤكد أنه سلّم سلاحه قبل أسابيع، ولم ينخرط في المواجهات الأخيرة. ويضيف: “إذا قُبلنا في الجيش السوري، فنحن مستعدون للانضمام والمشاركة في إعادة بناء البلد”.
ولا يقتصر هذا التوجه على العناصر العسكرية. فموظفون إداريون سابقون في المجالس المحلية ومكاتب الخدمات التابعة للإدارة الذاتية حضروا بدورهم لتسوية أوضاعهم، على أمل الاندماج مجدداً في مؤسسات الدولة.
أرقام كبيرة وإجراءات منظّمة
تقول الحكومة الانتقالية إن العملية تجري ضمن خطة تهدف إلى “تعزيز الاستقرار وفرض الأمن”. ووفق القائمين على مراكز التسوية، جرى حتى الآن تقنين أوضاع أكثر من 1500 شخص في الرقة وحدها، مع استلام أسلحة خفيفة، ومركبات، ووثائق رسمية.
وتشير المعطيات إلى أن الإقبال الكبير يعكس أكثر من مجرد تسوية أمنية، بل أزمة معيشية خانقة دفعت آلاف الشبان إلى البحث عن أي مسار يضمن لهم دخلاً ثابتاً وحماية قانونية.
تحديات ما بعد السلاح
رغم هذا المشهد اللافت، تبدو التحديات أكبر من مجرد جمع الأسلحة. فالرقة، التي دُمّرت على نطاق واسع خلال معارك 2017، لا تزال تفتقر إلى إعادة إعمار فعلية، فيما تواجه السلطة الجديدة ملفات أمنية شائكة، أبرزها خلايا تنظيم الدولة النائمة في البادية، وآلاف الملفات المرتبطة بمعتقلين وعائلات التنظيم.
وبينما يطوي آلاف المقاتلين صفحة السلاح، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الحكومة الانتقالية على تحويل هذه التسويات إلى استقرار دائم، في منطقة مثقلة بتركة الحرب والانقسامات، وتحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى حلول اقتصادية وإدارية لا تقل أهمية عن الترتيبات الأمنية.



