من يحكم إيران في ظل الغياب؟ مجلس الحرب يتقدم والمرشد يتراجع
تصاعد نفوذ الحرس الثوري يكشف تحوّلاً عميقاً في بنية القرار الإيراني خلال الحرب
في خضم الحرب المتصاعدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يبرز سؤال مركزي داخل إيران: من يدير المعركة فعلياً في ظل الغياب الغامض للمرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي؟
فبينما يفترض أن يكون المرشد هو صاحب القرار الأعلى في النظام، تشير التطورات الميدانية والسياسية إلى انتقال تدريجي في مركز الثقل نحو المؤسسة العسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري.
مجلس ثلاثي يقود الحرب
تفيد تقديرات ومصادر معارضة بأن إدارة الحرب انتقلت إلى مجلس ثلاثي يضم شخصيات بارزة من التيار المتشدد، يتقدمه محسن رضائي، إلى جانب أحمد وحيدي ومحمد باقر قاليباف.
هذا التشكيل يعكس بوضوح هيمنة الحرس الثوري على مفاصل القرار، خصوصاً في ظل غياب القيادة المباشرة للمرشد، سواء بسبب إصابة محتملة أو ظروف أمنية غير معلنة.
وجاء هذا التحول بعد مقتل علي لاريجاني، الذي كان يؤدي دوراً محورياً في إدارة الأزمة، ما فتح المجال أمام صعود وجوه أكثر تشدداً داخل المؤسسة العسكرية.
من “ولاية الفقيه” إلى “دولة الحرس”
تقليدياً، يقوم النظام الإيراني على مبدأ روح الله الخميني في “ولاية الفقيه”، حيث يجمع المرشد بين السلطة الدينية والسياسية والعسكرية.
لكن الحرب الحالية كشفت تحولاً عملياً، إذ لم يعد المرشد وحده مركز القرار، بل بات الحرس الثوري اللاعب الأقوى على الأرض.
ويظهر هذا التحول في إدارة العمليات العسكرية، وتفعيل الأذرع الإقليمية، واتخاذ قرارات أمنية سريعة تتجاوز أحياناً القنوات التقليدية داخل الدولة.
قبضة أمنية في الداخل
بالتوازي مع إدارة المعركة الخارجية، يركز المجلس الثلاثي على تثبيت الجبهة الداخلية، عبر إجراءات أمنية مشددة.
وتشير المعطيات إلى اعتماد واسع على قوات “الباسيج”، التي كثفت حملات الاعتقال خلال الأيام الماضية، خصوصاً في صفوف الشباب، تحت ذرائع تتعلق بالتعاون مع جهات خارجية.
كما تم توسيع صلاحيات القوات الأمنية، بما يشمل التعامل المباشر مع أي تجمعات أو احتجاجات محتملة، في محاولة لمنع انفلات الوضع الداخلي.
تصعيد إقليمي منسق
على الصعيد الخارجي، تعمل القيادة الجديدة على تفعيل أدوات إيران الإقليمية، عبر دعم وتسريع عمليات حلفائها في المنطقة.
ويشمل ذلك تحريك الفصائل المسلحة في العراق ولبنان، بالتوازي مع تكثيف الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة، في إطار استراتيجية تقوم على الضغط المتعدد الجبهات.
كما تعتمد هذه القيادة خطاباً متشدداً يرفض أي مؤشرات على التراجع أو التسوية، مع إبقاء قنوات دبلوماسية محدودة كخيار اضطراري.
شراكة أم هيمنة؟
رغم الحديث عن تراجع دور المرشد، يرى بعض المحللين أن ما يجري لا يعني إقصاء المؤسسة الدينية بالكامل، بل إعادة صياغة العلاقة بينها وبين الحرس الثوري.
ففي هذا النموذج، يحتفظ المرشد بالشرعية العليا، بينما يتحول الحرس إلى الذراع التنفيذية الأقوى في إدارة الدولة، خصوصاً في أوقات الأزمات.
لكن هذا التوازن يظل هشاً، إذ قد يؤدي استمرار الحرب إلى تعزيز الطابع العسكري للنظام على حساب الطابع الديني.
مرحلة مفصلية للنظام
تعكس التطورات الحالية لحظة مفصلية في تاريخ النظام الإيراني، حيث تتقاطع الحرب الخارجية مع التحديات الداخلية.
ومع تصاعد نفوذ الحرس الثوري وتراجع حضور القيادة التقليدية، تبدو إيران أمام احتمال التحول من نظام ديني - سياسي إلى نموذج أقرب إلى “الدولة الأمنية العسكرية”.
ويبقى المسار النهائي مرهوناً بنتائج الحرب، وبقدرة النظام على الحفاظ على تماسكه في مواجهة ضغوط غير مسبوقة.



