تسونامي غضب في بيئة حزب الله - نزوح وصوت مرتفع وأسئلة لم تعد تُهمس
من الطرقات المكتظة إلى المدارس المكتظة… المزاج يتبدّل داخل الحاضنة
“إلى أين نذهب؟ معي أطفال… معي عائلة”.
صرخة خرجت من سيارة عالقة في زحمة خانقة، لم تكن موجّهة لشخص محدد، بل لمشهد كامل بدا وكأنه ينهار دفعة واحدة.
مع إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، وردّ الأخيرة بغارات مكثفة على الضاحية الجنوبية ومناطق لبنانية أخرى، لم ينتظر الناس تحليلات أو بيانات. سبقهم الخوف إلى الطرقات، وسبقتهم الكاميرات إلى مواقع التواصل.
نزوح جديد… وذاكرة لم تُشفَ بعد.
منازل تُغلق على عجل
في ساعات الفجر الأولى، تحوّلت الشوارع إلى ممرات هروب. عائلات حملت ما تيسّر من أمتعة، وضعت وثائقها في حقائب صغيرة، وغادرت بلا وجهة واضحة.
الطريق التي تستغرق ساعة ونصف بين الجنوب وبيروت امتدت إلى أكثر من 15 ساعة. سيارات نفد منها الوقود. أخرى تعطلت تحت ضغط الرحلة. عائلات نامت داخل مركباتها.
مدارس فُتحت على عجل. ساحاتها امتلأت سريعاً. بطانيات على الأرض، حقائب صغيرة في الزوايا، وأطفال يحاول أهلهم إقناعهم أن الأمر “مؤقت”.
لكن الوجوه تقول غير ذلك.
غضب لم يعد خافتاً
في مقاطع فيديو متداولة، لم يكن الغضب موارباً. كثيرون تحدثوا بصراحة عن “الزجّ بهم في حرب لا يريدونها”. البعض ربط التصعيد بحسابات إقليمية، واعتبر أن الجنوب والضاحية يدفعان كلفة خيارات أكبر منهما.
أسئلة كانت تُهمس في مجالس ضيقة أصبحت علنية:
ما الجدوى؟
من يدفع الثمن؟
ولماذا الآن؟
التحول اللافت ليس فقط في حجم النزوح، بل في نبرة الخطاب داخل بيئة لطالما اعتُبرت حاضنة للحزب.
معادلة الأمان تنقلب
لسنوات، شكّل “الأمان” أحد أبرز مبررات دعم الحزب داخل بيئته. لكن مع كل موجة غارات جديدة، تبدو المعادلة وكأنها تنقلب:
بدلاً من الشعور بالحماية، يتزايد الإحساس بالخطر.
يرى مراقبون أن منسوب الانتقادات ارتفع إلى مستوى غير مسبوق، خاصة بعد أن ترافق إطلاق الصواريخ مع تهجير واسع ومخاوف جدية من تصعيد أكبر أو اجتياح بري.
ومع ذلك، تبقى فئات مرتبطة بالحزب معيشياً أو تنظيمياً في موقع الدفاع عنه، ما يعكس انقساماً داخلياً أكثر تعقيداً مما يظهر على السطح.
كلفة يومية لا شعارات
بالنسبة لكثيرين، لم تعد الحرب قضية شعارات أو توازنات سياسية. أصبحت كلفة يومية:
إيجارات ترتفع فجأة
أعمال تتوقف
مدارس تُقفل
مدخرات تُستنزف
ومع تزامن النزوح مع موجة برد قاسية وشهر رمضان، تضاعف الشعور بالقسوة: صيام بعيداً عن المنزل، وأطفال يسألون عن موعد العودة، ولا إجابة واضحة.
الحكومة في دائرة الاتهام
الغضب لم يقتصر على الحزب. أصابع الاتهام طالت السلطة التنفيذية أيضاً، مع دعوات لتكريس مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة.
يرى متابعون أن أي قرار رسمي برفع الغطاء السياسي عن الحالة العسكرية للحزب لن يكون ذا معنى ما لم يُترجم عملياً، في وقت يحظى فيه الجيش اللبناني بدعم شعبي واسع غير مسبوق.
لكن بين القرار السياسي والواقع الميداني، تبقى المسافة شاسعة.
“بيوت” على سقف شاحنة
صورة واحدة تلخص المشهد: شاحنة صغيرة محمّلة بأكياس وحقائب مربوطة بحبال، كأنها تحمل حياة كاملة فوق سقفها. في الخلف، مراهقة تنظر بصمت إلى الخارج. رجل يحاول إيجاد مساحة إضافية لجسد لا يجد موطئاً.
الطريق مضاءة بأضواء حمراء من السيارات المتراصة. المحركات تئنّ. والانتظار يبدو بلا نهاية.
هل هو تحوّل أم لحظة انفعال؟
السؤال الأهم الآن: هل ما يجري تحوّل بنيوي داخل بيئة الحزب، أم رد فعل عاطفي على صدمة نزوح جديدة؟
حتى اللحظة، يبدو أن المزاج يتبدّل فعلاً. ليس انقلاباً كاملاً، لكنه تململ متصاعد، وجرأة أكبر في التعبير.
بين سيارة عالقة على الطريق ومدرسة امتلأت بنازحين جدد، يتشكل ما يمكن وصفه بـ”تسونامي غضب” داخل البيئة الحاضنة.
غضب لا يغيّر موازين القوى فوراً… لكنه يكشف تصدعات لم تعد قابلة للإخفاء.



