إيران في منعطف مصيري
تصعيد الاحتجاجات يضع النظام أمام أخطر اختبار منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية
تشهد إيران واحدة من أكثر لحظاتها اضطراباً منذ عام 1979، مع دخول الاحتجاجات الشعبية أسبوعها الثالث واتساعها لتشمل جميع المحافظات، في مشهد بات يثير قلقاً إقليمياً ودولياً متزايداً، وسط حديث متصاعد عن سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات.
من احتجاج معيشي إلى انتفاضة سياسية
انطلقت موجة الاضطرابات الحالية في 28 ديسمبر الماضي، احتجاجاً على انهيار العملة وارتفاع معدلات التضخم، قبل أن تتحول سريعاً إلى حركة احتجاجية علنية تطالب بإنهاء حكم رجال الدين. ووفق تقارير ميدانية ومصادر مفتوحة، سُجّل ما يقارب 600 احتجاج في مختلف أنحاء البلاد، في سابقة لم تشهدها إيران منذ انتفاضة عام 2022.
وتشير منظمات حقوقية إلى اعتقال أكثر من 10,600 شخص، في حين يبقى تحديد عدد الضحايا بدقة أمراً بالغ الصعوبة بسبب الانقطاعات المتكررة للإنترنت والتضييق الإعلامي. وبينما تؤكد تقديرات رسمية وحقوقية مقتل ما لا يقل عن 116 متظاهراً، تذهب تقديرات أخرى إلى أن العدد قد يتجاوز 500، في ظل تقارير عن استخدام الذخيرة الحية ضد المحتجين.
قمع غير مسبوق واتهامات بالقتل الجماعي
ترافقت الاحتجاجات مع حملة أمنية وُصفت بأنها الأشد منذ سنوات، شملت إطلاق النار على حشود غير مسلحة، واعتقالات جماعية، واتهامات ثقيلة للموقوفين، من بينها تهمة “الحرابة”، التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. كما فرضت السلطات قطعاً شبه كامل للإنترنت تجاوز 60 ساعة متواصلة، ما فاقم من صعوبة توثيق ما يجري على الأرض.
وتؤكد شهادات من داخل البلاد أن المستشفيات باتت عاجزة عن استيعاب أعداد الجرحى، فيما سُجلت اشتباكات عنيفة في طهران وشيراز وأصفهان وهمدان وقشم ومدن أخرى، مع تصاعد غير مسبوق في مستوى العنف.
ثلاثة أسئلة حاسمة في المرحلة المقبلة
مع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث، تبرز ثلاثة محاور رئيسية ستحدد مسار الأحداث في إيران:
الأرقام: أعلنت منظمة “إيران لحقوق الإنسان” ومقرها النرويج مقتل ما لا يقل عن 648 متظاهراً، مع مؤشرات على أن الحصيلة الحقيقية أعلى بكثير. السؤال المفتوح يبقى: إلى أي مدى يمكن للنظام الاستمرار بهذا المستوى من العنف؟
القمع: يبدو أن السلطة اختارت التصعيد الأقصى، مع إطلاق النار المباشر وتوسيع دائرة الاتهامات الجنائية والدينية ضد المحتجين، ما ينذر بمزيد من الدماء.
الرد الأميركي: صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته، ملوحاً بإجراءات اقتصادية قاسية ضد الدول التي تتعامل مع إيران، ومشيراً إلى احتمال “التحرك” قبل أي مسار تفاوضي. في هذا السياق، لم يعد السؤال إن كانت واشنطن ستتدخل، بل كيف ومتى.
ارتدادات إقليمية تتجاوز الحدود الإيرانية
لا تقتصر تداعيات ما يجري في إيران على الداخل فقط، بل تمتد بقوة إلى دول الجوار. ففي العراق، يرى مراقبون أن أي تحول في طهران سينعكس مباشرة على المشهد السياسي والأمني، خاصة في ظل استياء شعبي متزايد من قوى سياسية مرتبطة بإيران. ورغم أن الجماعات المسلحة العراقية باتت أكثر استقلالاً مالياً، فإن تراجع النفوذ الإيراني قد يعيد خلط الأوراق.
في لبنان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فبالنسبة إلى حزب الله، لا يعني احتمال سقوط النظام الإيراني خسارة داعم سياسي فقط، بل انهيار المرجعية الدينية التي يقوم عليها خطابه. ويرى محللون أن أي تغيير جذري في طهران ستكون له تداعيات عميقة على التوازنات داخل المجتمع الشيعي في لبنان.
موسكو وبكين… دعم حذر وحسابات باردة
رغم التحالف الوثيق بين إيران وكل من روسيا والصين في السنوات الأخيرة، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن الطرفين يتعاملان مع الأزمة بحذر شديد. فموسكو ترى في طهران شريكاً مفيداً في مواجهة الغرب، لكنها ليست مستعدة للمخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعاً عن النظام الإيراني.
أما بكين، فتتعامل مع إيران بوصفها شريك ضرورة لا أكثر، يضمن لها تدفق الطاقة بأسعار تفضيلية، من دون تقديم أي التزام أمني حقيقي. وتشير تقديرات إلى أن العلاقة بين الطرفين ستبقى في عام 2026 متوترة وتعاقدية، قائمة على المصالح لا الثقة.
إيران أمام لحظة مفصلية
تتقاطع اليوم في إيران عناصر لم تجتمع بهذا الشكل من قبل: احتجاجات شاملة، قمع دموي، ضغط دولي متصاعد، وقلق واضح لدى الحلفاء. وبينما يحاول النظام الصمود بالقوة، تتزايد المؤشرات على أن البلاد تقف عند مفترق طرق تاريخي، ستكون نتائجه حاسمة ليس فقط لمستقبل الجمهورية الإسلامية، بل لاستقرار المنطقة بأسرها.



