لأول مرة… الدولة تدخل معاقل المخدرات في لبنان
بين المداهمات والأحكام القضائية… هل دخلت الدولة فعلاً معركة تفكيك اقتصاد المخدرات؟
في البقاع، حيث اعتادت شبكات المخدرات العمل لعقود تحت أنظار الجميع، تشهد الساحة الأمنية تحولاً غير مسبوق. فالحملة التي ينفذها الجيش اللبناني منذ أسابيع لم تعد تُقرأ بوصفها إجراءً أمنياً تقليدياً، بل كمحاولة جدّية – ولو متأخرة – لكسر معادلة راسخة: مناطق محمية، أسماء معروفة، وغياب شبه كامل للمساءلة.
ما يميّز هذه العمليات ليس فقط حجم المداهمات أو نوعية المصادرات، بل دخول الجيش إلى معاقل تصنيع وإنتاج المخدرات نفسها، في مناطق لطالما اعتُبرت خارج قدرة الدولة أو خارج قرارها السياسي. بذلك، انتقل الملف من الهامش الأمني إلى صلب النقاش السيادي: هل بدأت الدولة فعلاً باستعادة زمام المبادرة، أم أننا أمام جولة محسوبة السقف؟
اختبار نوح زعيتر
كان توقيف نوح زعيتر، أحد أبرز رموز اقتصاد المخدرات في لبنان، في نوفمبر الماضي، لحظة مفصلية. فالاسم لم يكن مغموراً، بل مدرجاً على لوائح العقوبات الأميركية والأوروبية، ومطلوباً للإنتربول، ومرتبطاً بشبكات عابرة للحدود. غير أن المسار القضائي الذي أعقب التوقيف أعاد فتح باب الشكوك، بعد صدور أحكام مخففة في عدد من الملفات، وإسقاط عشرات الدعاوى بمرور الزمن.
هذا التناقض بين اندفاعة أمنية على الأرض، وأحكام قضائية وُصفت بأنها “غير متناسبة” مع حجم الجرائم، وضع الدولة في مواجهة سؤال حاسم: هل المعركة شاملة أم انتقائية؟ وهل الهدف تفكيك المنظومة أم احتواء تداعياتها؟
رفع الغطاء السياسي
لسنوات، لم تكن شبكات المخدرات في البقاع تعمل في الخفاء. مسارات التهريب، مناطق النفوذ، وأسماء المتورطين كانت معروفة، لكن الحماية السياسية والأمنية – التي يتهم خصوم حزب الله بتوفيرها – منعت أي اختراق جدي. اليوم، ما تغيّر ليس فقط الأداء الأمني، بل القرار السياسي نفسه: الغطاء رُفع، فدخل الجيش.
ويربط مراقبون هذا التحول بجملة عوامل متداخلة. داخلياً، تراجعت قدرة حزب الله على فرض معادلاته السابقة بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل. وإقليمياً، أدى سقوط نظام بشار الأسد إلى تفكك العمق اللوجستي الذي كان يربط إنتاج المخدرات في سوريا بمسارات التهريب إلى لبنان. ومع تشدد السلطة السورية الجديدة في ضبط الحدود، انعكس الضغط مباشرة على الداخل اللبناني.
الضغط الدولي وحسابات الخارج
لا يمكن فصل الحملة عن السياق الدولي. فلبنان يواجه ضغوطاً أميركية متزايدة، لا سيما في ملف سلاح حزب الله ومصادر تمويله. ويشير خبراء قانونيون واستراتيجيون إلى أن فتح ملف المخدرات بات إحدى أدوات الدولة لإظهار التزامها بما يسمى “سيادة القانون”، في محاولة لتخفيف الضغوط الخارجية.
كما يأتي التحرك في إطار مساعٍ رسمية لإقناع السعودية برفع الحظر المفروض منذ عام 2021 على الصادرات الزراعية اللبنانية، بعد ضبط شحنات كبتاغون في دول الخليج. وفي هذا السياق، باتت مكافحة المخدرات تُطرح كأولوية سياسية لا أمنية فقط.
الدولة في موقع الاتهام
المفارقة، كما يشير مختصون، أن أي حملة جدية اليوم تُدين الدولة بقدر ما تبرئها. فلبنان صُنّف سابقاً بين أكبر مصدّري الحشيش عالمياً، ثم تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري في تجارة الكبتاغون، وفق تقارير دولية. شبكات نشأت في ظل الحرب السورية، وتمدّدت مع الانهيار المالي، وبنت اقتصاد ظلّ عابراً للطوائف والحدود.
السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الدولة قادرة اليوم على اقتحام هذه المعاقل، فمن عطّلها طوال السنوات الماضية؟ ولماذا اقتصر الأداء سابقاً على ملاحقة صغار المتورطين، فيما تُركت الرؤوس الكبيرة تنمو بلا مساءلة؟
الأمن وحده لا يكفي
رغم الترحيب النسبي بالحملة، يحذر خبراء من الاكتفاء بالحل الأمني. فمكافحة المخدرات، وفق مقاربة شاملة، تتطلب مساراً قضائياً شفافاً، وسياسة واضحة لتجفيف مصادر التمويل، إضافة إلى برامج علاج وتأهيل للمتعاطين، ومنع تحوّل السجون إلى بيئات لإعادة إنتاج الجريمة.
في الخلاصة، ما يجري في البقاع ليس مجرد عملية أمنية، بل اختبار حقيقي لإرادة الدولة اللبنانية. رفع الغطاء السياسي خطوة ضرورية، لكن من دون استمرارية سياسية وقضائية، قد تبقى هذه الحملة لحظة عابرة في تاريخ طويل من التسويات. السؤال المفتوح: هل تذهب الدولة هذه المرة حتى النهاية؟



