إيران بعد خامنئي - صراع على السلطة في لحظة مفصلية
غياب المرشد يفتح مرحلة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية
دخلت إيران مرحلة سياسية شديدة الحساسية بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في ضربة عسكرية أميركية - إسرائيلية في 28 فبراير 2026. فغياب الرجل الذي قاد البلاد لأكثر من ثلاثة عقود لا يعني مجرد فقدان شخصية سياسية بارزة، بل يفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام نفسه.
النظام الإيراني، الذي بُني إلى حد كبير حول موقع المرشد الأعلى، يواجه اليوم اختباراً غير مسبوق قد يحدد شكل السلطة في البلاد لسنوات طويلة.
مركز الثقل في النظام
منذ توليه المنصب عام 1989، كان خامنئي يشكّل نقطة التوازن الأساسية بين المؤسسات السياسية والدينية والعسكرية في إيران. وعلى الرغم من أنه لم يكن رجل دين بارزاً عند وصوله إلى السلطة، فإنه عزز نفوذه تدريجياً عبر بناء تحالف وثيق مع الحرس الثوري الإيراني.
ومع مرور السنوات، أصبح الحرس الثوري العمود الفقري للنظام، ليس فقط عسكرياً بل أيضاً اقتصادياً وسياسياً، حيث توسع نفوذه ليشمل قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني.
اليوم، ومع غياب المرشد الذي كان يشرف على توازن هذه القوى، قد يجد الحرس الثوري نفسه في موقع يسمح له بتعزيز قبضته على السلطة.
احتمال صعود الحكم العسكري
يرى بعض المحللين أن مقتل خامنئي في سياق مواجهة عسكرية قد يدفع الحرس الثوري إلى محاولة ملء الفراغ السياسي بسرعة، خصوصاً مع تصاعد الشعور بضرورة الرد على الضربة التي استهدفت رأس النظام.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد تتراجع أدوار المؤسسات المدنية لصالح نموذج أقرب إلى “المجمع العسكري - الصناعي”، حيث يصبح الحفاظ على التوتر الخارجي وسيلة لتعزيز النفوذ الداخلي.
مثل هذا التحول قد يجعل فرص الانفتاح الدبلوماسي مع الغرب أكثر تعقيداً، إذا اعتبر قادة الحرس الثوري أن المواجهة المستمرة تخدم مصالحهم السياسية والاقتصادية.
تداعيات تتجاوز السياسة
لم يكن خامنئي مجرد قائد سياسي، بل كان أيضاً يُنظر إليه في أوساط واسعة كأحد أبرز المرجعيات الدينية الشيعية في العالم.
لذلك، فإن غيابه قد يترك أثراً يتجاوز حدود إيران، خصوصاً في المجتمعات الشيعية في الشرق الأوسط، حيث قد يُفسَّر مقتله لدى بعض الأطراف بوصفه استهدافاً رمزياً لطائفة بأكملها.
هذا الاحتمال قد يفتح الباب أمام توترات جديدة في المنطقة، تعتمد حدتها على مواقف القيادات الدينية والسياسية المحلية وقدرتها على احتواء الغضب الشعبي أو توجيهه.
انقسام داخل المجتمع الإيراني
في الداخل الإيراني، كشفت ردود الفعل الأولى عن انقسام واضح. ففي حين خرجت تجمعات في بعض المدن احتفالاً بما اعتبرته نهاية مرحلة من الحكم القمعي، بدت قطاعات أخرى في حالة حزن وغضب بعد فقدان ما كانت تعتبره “مرجعية دينية وسياسية”.
هذا الانقسام يعكس التوترات العميقة داخل المجتمع الإيراني بين مؤيدي النظام ومعارضيه، وهي توترات قد تتفاقم في ظل الفراغ السياسي الحالي.
تصعيد إقليمي متسارع
لم تبقَ تداعيات مقتل خامنئي محصورة داخل إيران. فقد شهدت المنطقة تصعيداً سريعاً بعد العملية العسكرية التي وصفتها واشنطن وتل أبيب بأنها محاولة لـ”قطع رأس النظام”.
تحركت فصائل مسلحة حليفة لطهران في عدة ساحات، من العراق إلى لبنان واليمن، وأطلقت هجمات صاروخية استهدفت منشآت في الخليج وإسرائيل، فيما استمرت الضربات الجوية داخل الأراضي الإيرانية.
هذا التصعيد يضع المنطقة أمام احتمال توسع الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع.
الخليج أمام اختبار صعب
في ظل هذه التطورات، تواجه دول الخليج تحديات أمنية واقتصادية متزايدة. فاستمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤثر على الاستقرار الاقتصادي في المنطقة، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستثمار والسياحة كمحركات أساسية للنمو.
ويرى بعض الخبراء أن التأثيرات الاقتصادية قد تصبح ملموسة إذا طال أمد الصراع، خصوصاً في ما يتعلق بحركة السفر والاستثمارات الأجنبية.
سؤال “اليوم التالي”
يبقى السؤال الأكثر تعقيداً: ماذا بعد؟
تقوم بعض التقديرات الأميركية على فرضية أن إضعاف القيادة الإيرانية قد يفتح الباب أمام تحولات داخلية يقودها المجتمع الإيراني نفسه، على غرار ما حدث خلال الثورة الإيرانية عام 1979.
لكن الواقع قد يكون أكثر تعقيداً. فمع تصاعد نفوذ الحرس الثوري وتزايد التوترات الإقليمية، تبدو إيران اليوم أمام مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل نظامها السياسي وتوازناتها الداخلية لسنوات طويلة قادمة.



