الجولان بين الخوف والهوية: لماذا يتجه دروز سوريون إلى طلب الجنسية الإسرائيلية؟
الجولان بين الخوف والهوية: لماذا يتجه دروز سوريون إلى طلب الجنسية الإسرائيلية؟
في غرفة معيشته، يجلس ليث أبو صالح محدّقاً في كرة قدم بيضاء كُتبت عليها أسماء وصور 12 طفلاً. بين الوجوه المطبوعة صورة ابنه فجر، الذي قُتل في غارة صاروخية استهدفت ملعباً في قرية مجدل شمس في الجولان المحتل صيف عام 2024. يقول ليث بصوت منخفض: “لم أعد أشعر بالأمان”.
هذه الجملة باتت تختصر تحوّلاً عميقاً يعيشه جزء متزايد من الدروز السوريين في الجولان، يتمثّل في الإقبال غير المسبوق على طلب الجنسية الإسرائيلية، بعد عقود من الرفض والتمسّك بالهوية السورية.
من الصدمة إلى القرار
كان الأطفال يلعبون كرة القدم عندما سقط الصاروخ. إسرائيل اتهمت حزب الله، والحزب نفى، لكن الحادثة تركت جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الجماعية لأهالي القرية. بالنسبة لأبو صالح، كانت تلك اللحظة الفاصلة التي دفعته، بعد أشهر من التردّد، إلى التقدّم بطلب الحصول على الجنسية الإسرائيلية. يبرّر قراره بالقول: “أفضل أن أكون مع الطرف القادر على حمايتي”.
قصته ليست استثناء. فوفق معطيات وزارة الداخلية الإسرائيلية، سجّل عام 2025 رقماً قياسياً في عدد المتقدّمين من الدروز السوريين في الجولان لنيل الجنسية، متجاوزاً مجموع الطلبات في السنوات الخمس السابقة مجتمعة.
كسر محرّم قديم
عندما فرضت إسرائيل قوانينها على الجولان عام 1981، واجهت الخطوة برفض جماعي ومظاهرات واسعة، وأصدر وجهاء الطائفة الدرزية آنذاك وثيقة تعهّدوا فيها بمقاطعة كل من يقبل الجنسية الإسرائيلية اجتماعياً ودينياً. لعقود، بقي هذا الموقف سائداً، ولم يتقدّم بطلبات الجنسية إلا أفراد معدودون لأسباب عملية تتعلق بالسفر أو التعليم.
اليوم، تشير الإحصاءات إلى أن نحو ثلث الدروز في الجولان باتوا يحملون الجنسية الإسرائيلية، في تحوّل يعكس تغيّراً عميقاً في الإحساس بالأمان والانتماء.
سوريا ما بعد الأسد والخوف الوجودي
يَربط كثيرون هذا التحوّل بتداعيات الحرب السورية وسقوط نظام بشار الأسد، ثم صعود قوى إسلامية متشدّدة إلى واجهة الحكم في دمشق. أحداث السويداء الدامية عام 2025، وما رافقها من اتهامات للقوات الحكومية بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين الدروز، عزّزت شعور الطائفة بأنها باتت مكشوفة أمنياً.
تقول مريم، وهي أم لولدين تقدّمت بطلب الجنسية مع عائلتها: “لم أتخيّل يوماً أن أقول إن سوريا لم تعد وطناً آمناً لنا. لكن ما جرى في السويداء غيّر كل شيء”.
بين الحماية والهوية
ترافق هذا المسار مع خطوات إسرائيلية تؤكد سعيها إلى لعب دور “حامي الدروز”، سواء عبر تصريحات سياسية أو تدخلات عسكرية داخل الأراضي السورية، إضافة إلى تسجيل ارتفاع في أعداد الشبان الدروز من الجولان الراغبين في الالتحاق بالجيش الإسرائيلي.
في المقابل، يحذّر زعماء محليون من أن هذا التوجّه قد يكرّس انقساماً عميقاً داخل المجتمع الدرزي، ويضعف الموقف التاريخي القائل إن “الجولان أرض عربية سورية”، وأن الجنسية، مهما تغيّرت، لا يمكن أن تمحو الانتماء.
خيار تحت ضغط الخوف
بين الحنين إلى سوريا والبحث عن مظلة حماية، يقف دروز الجولان اليوم أمام معادلة قاسية. مأساة مجدل شمس، واضطراب الداخل السوري، وتحوّلات الإقليم، كلها عوامل دفعت كثيرين إلى كسر محرّم قديم واختيار مسار لم يكن مطروحاً قبل سنوات.
كما يقول ليث أبو صالح وهو يشير إلى غرفة ابنه الراحل: “الانتماء للأرض لا يتغيّر، لكننا نحتاج إلى هوية تحمينا. لا أريد أن أربي أطفالي على فكرة الموت… أريدهم أن يعيشوا”.



