بغداد بين الضغوط والردع - هجوم السفارة الأميركية يعيد شبح التصعيد
صواريخ على المنطقة الخضراء تضع الحكومة العراقية أمام اختبار صعب بين السيادة وتوازنات الصراع الإقليمي
شهدت بغداد تصعيداً أمنياً جديداً بعد الهجوم الصاروخي الذي استهدف مجمع السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء، في حادثة أعادت إلى الواجهة المخاوف من تحوّل العراق إلى ساحة مواجهة غير مباشرة في ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
الهجوم، الذي وقع في ساعة متأخرة من مساء السبت، نفذ بعدة صواريخ كاتيوشا أُطلقت باتجاه محيط السفارة. ورغم أن منظومة الدفاع الجوي التابعة للمجمع تمكنت من اعتراض الصواريخ دون وقوع خسائر بشرية، فإن الحادثة تحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز نتائجها الميدانية المحدودة.
أول استهداف منذ سنوات
يعد هذا الهجوم الأول من نوعه الذي تتعرض له السفارة الأميركية في بغداد منذ أكثر من عامين، كما أنه يأتي بعد أيام من اندلاع المواجهة العسكرية الواسعة بين إسرائيل وإيران في 28 فبراير.
وتشير هذه المعطيات إلى احتمال دخول العراق مجدداً في دائرة التصعيد، خصوصاً مع تهديد بعض الفصائل المسلحة العراقية الموالية لطهران باستهداف المصالح الأميركية رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي.
رسائل الفصائل المسلحة
يرى الباحث في الشؤون السياسية والأمنية نجم القصاب أن الهجوم لم يكن مفاجئاً في ظل الخطاب الذي تتبناه بعض الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والتي أعلنت استعدادها لاستهداف المصالح الأميركية في حال تعرضت طهران لضربات عسكرية أو لعمليات اغتيال.
ويشير القصاب إلى أن العملية الأخيرة يمكن فهمها في إطار ما يصفه بـ“دعم إيران في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل”، محذراً من أن مثل هذه الهجمات قد تكون محاولة لجر العراق تدريجياً إلى قلب المواجهة الإقليمية.
ويضيف أن التطورات الأخيرة تمثل “تصعيداً خطيراً” يضع الحكومة العراقية أمام تحدٍ سياسي وأمني كبير.
بغداد تتحرك سريعاً
في محاولة لاحتواء الموقف، سارع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى إصدار أوامر مباشرة للأجهزة الأمنية بملاحقة المسؤولين عن الهجوم.
وأكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، أن السوداني وجه القيادات الأمنية والعسكرية بتعقب منفذي ما وصفه بـ“العمل الإرهابي” الذي استهدف محيط السفارة الأميركية وتقديمهم إلى العدالة.
وشدد البيان الحكومي على أن استهداف البعثات الدبلوماسية أمر غير مقبول تحت أي ظرف، لأنه يمس الأمن الوطني واستقرار البلاد.
كما أكدت الحكومة العراقية أن مثل هذه الهجمات تشكل انتهاكاً لسيادة العراق، مشددة على أن الجماعات التي تنفذها “لا تمثل إرادة الشعب العراقي”، وأن قرار الحرب والعمل العسكري يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة.
قلق أميركي متزايد
من جهتها، أصدرت السفارة الأميركية في بغداد تنبيهاً أمنياً دعت فيه المواطنين الأميركيين الموجودين في العراق إلى توخي الحذر الشديد.
وأشارت السفارة إلى أن إيران والجماعات المتحالفة معها ما تزال تمثل تهديداً كبيراً للسلامة العامة، لافتة إلى أن منشآت يرتادها أجانب ومواقع بنية تحتية حيوية تعرضت لهجمات خلال الفترة الأخيرة.
كما دعت الأميركيين إلى مغادرة العراق في أقرب وقت ممكن عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك، أو الاستعداد للبقاء داخل مواقع آمنة لفترات طويلة في حال تعذر السفر.
وطلبت السفارة أيضاً تجنب التجمع في أماكن مرتبطة بالولايات المتحدة أو تجمعات الأميركيين، لأن ذلك قد يزيد من احتمالات الاستهداف.
مخاوف من رد أميركي
تقول مديرة مبادرة العراق في المجلس الأطلسي، فيكتوريا تايلور، إن الحكومة العراقية تنظر إلى استهداف السفارة الأميركية باعتباره “خطاً أحمر”.
لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن الرد الأميركي المحتمل قد لا يقتصر على الإجراءات العراقية، إذ قد تختار واشنطن الرد وفق تقديراتها الخاصة وبالطريقة التي تراها مناسبة.
استقرار هش
يحذر الباحث حمزة حداد، الزميل في مركز أبحاث “الأمن الأميركي الجديد”، من أن التطورات الأخيرة قد تهدد الاستقرار النسبي الذي تحقق في العراق خلال السنوات الماضية.
ويرى أن الأحداث الأخيرة تفرض على القيادتين العراقية والأميركية العمل بسرعة لمنع تدهور الأوضاع وتحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوح.
معضلة “البقاء خارج الحرب”
حتى الآن، نجحت بغداد إلى حد كبير في إبقاء العراق خارج المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، وإن كان ذلك في إطار توازن هش.
لكن استمرار الهجمات على المصالح الأميركية قد يهدد هذا التوازن، خصوصاً إذا قررت الفصائل المسلحة تصعيد عملياتها داخل الأراضي العراقية.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يظل السؤال المطروح بقوة: هل سيتمكن العراق من الحفاظ على موقعه خارج الحرب الإقليمية، أم أن الضغوط المتزايدة ستدفعه تدريجياً إلى قلب الصراع؟



