اتفاق شامل بين دمشق و”قسد” - وقف النار ودمج تدريجي بلا معركة
خارطة طريق جديدة لتوحيد الشمال الشرقي ضمن الدولة السورية
أعلنت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، الجمعة، التوصل إلى اتفاق شامل ينهي المواجهة العسكرية في شمال شرق البلاد، ويضع أسس وقف دائم لإطلاق النار، إلى جانب إطلاق عملية دمج تدريجية للقوات والهياكل الإدارية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وجاء الاتفاق بعد أسابيع من تقدم القوات الحكومية وسيطرتها على مساحات واسعة كانت خاضعة لسيطرة “قسد”، ما دفع الأخيرة إلى التراجع نحو مناطق أضيق، في تطور اعتُبر نقطة تحول في موازين القوى داخل سوريا.
سياق سياسي وأمني معقّد
يمثل مصير قوات سوريا الديمقراطية واحدة من أكثر القضايا حساسية منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل أكثر من عام، وصعود سلطة جديدة بقيادة أحمد الشرع. وكانت “قسد” قد سيطرت في ذروة نفوذها على ربع الأراضي السورية أو أكثر، بدعم مباشر من الولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم داعش.
غير أن موقعها السياسي والعسكري تراجع تدريجياً، خصوصاً مع تحوّل السياسة الأميركية وبناء الرئيس الأميركي دونالد ترامب علاقة وثيقة مع القيادة الجديدة في دمشق.
إشادة أميركية بالاتفاق
وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس براك، الاتفاق بأنه “محطة تاريخية مهمة في مسيرة سوريا نحو المصالحة الوطنية والوحدة والاستقرار الدائم”، معتبراً أن الطرفين قدما تنازلات متبادلة لتجنب مواجهة دامية.
أبرز بنود الاتفاق
بحسب المعلومات التي أوردتها رويترز، يتضمن الاتفاق عدداً من البنود الأساسية، أبرزها:
وقف شامل لإطلاق النار في شمال شرق سوريا.
انسحاب قوات “قسد” من نقاط التماس في شمال البلاد.
دخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى وسط مدينتي الحسكة والقامشلي.
تشكيل فرقة عسكرية جديدة تضم ثلاثة ألوية من قوات “قسد”، إضافة إلى لواء خاص في مدينة كوباني (عين العرب)، على أن تتبع هذه التشكيلات لوزارة الدفاع السورية.
دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين في وظائفهم.
من اتفاق مبدئي إلى صيغة نهائية
وكان الطرفان قد توصلا إلى اتفاق مبدئي في مارس الماضي حول الاندماج، إلا أن تطبيقه تعثر لأشهر، قبل أن يعود الملف إلى الواجهة مع التحرك العسكري الحكومي في نهاية العام، ما مهّد للتوصل إلى الصيغة النهائية الحالية.
وقال براك في بيان إن “الحكومة السورية وسّعت إطار الدمج والحقوق، فيما تبنّت الجماعات الكردية رؤية موحدة تكرّم مساهماتها وتعزز الصالح العام”.
قلق كردي وترحيب حذر
رغم الاتفاق، يعيش الشمال الشرقي حالة ترقب، في ظل مخاوف كردية من تداعيات أمنية، غذّتها أحداث عنف شهدتها مناطق أخرى خلال العام الماضي. ومع ذلك، وصف نواه بونسي، كبير مستشاري مجموعة الأزمات الدولية، الاتفاق بأنه “نقطة تحول تاريخية محتملة”، معتبراً أنه نجح في إيجاد أرضية مشتركة حول قضايا بالغة التعقيد، وإن كان التنفيذ سيواجه تحديات كبيرة.
موقف إقليمي ومتابعة تركية
أعلنت تركيا أنها تراجع بنود الاتفاق بدقة. وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن “الاندماج الحقيقي يصب في مصلحة سوريا”، مشدداً على أن جميع الأطراف تدرك شروطه. ويأتي هذا الموقف في ظل حساسية أنقرة من “قسد”، التي تعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
في المقابل، عبّرت السياسية الكردية السورية إلهام أحمد عن شكرها للولايات المتحدة وفرنسا على دورهما في الوساطة، معربة عن أملها بأن تضطلع الدولتان بدور ضامن لعملية الدمج.
ملفات عالقة
لم يتطرق الإعلان الرسمي إلى مصير معبر سيمالكا الحدودي مع العراق، وهو آخر معبر لا يزال تحت سيطرة “قسد”. غير أن مسؤولاً سورياً أكد لرويترز أن الدولة السورية ستتولى إدارة جميع المعابر الحدودية، وأن تنفيذ الاتفاق سيبدأ فوراً.
خلاصة المشهد
يهدف الاتفاق، وفق بيان “قسد”، إلى “توحيد الأراضي السورية وتعزيز التعاون لإعادة بناء البلاد”، في رسالة تعكس تحوّلاً من منطق السيطرة والانقسام إلى منطق الدمج التدريجي. غير أن نجاح هذا المسار سيبقى رهناً بقدرة الطرفين على تنفيذ البنود على الأرض، في منطقة لطالما كانت مسرحاً للتجاذبات الدولية والإقليمية.



